Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:164
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
* * *
صفحة ١٦٩
الفَصْلُ الرّابِعُ
فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلالِ بِهَذِهِ الأحْوالِ عَلى وُجُودِ الصّانِعِ
وهِيَ مِن وُجُوهٍ:
أحَدُها: النَّظَرُ إلى مَقادِيرِ هَذِهِ الأفْلاكِ، فَإنَّها مَعَ اشْتِراكِها في الطَّبِيعَةِ الفَلَكِيَّةِ، اخْتَصَّ كُلُّ واحِدٍ مِنها بِمِقْدارٍ خاصٍّ، مَعَ أنَّهُ لا يَمْتَنِعُ في العَقْلِ وُقُوعُها عَلى أزْيَدَ مِن ذَلِكَ المِقْدارِ أوْ أنْقَصَ مِنهُ بِذَرَّةٍ، فَلَمّا قَضى صَرِيحُ العَقْلِ بِأنَّ المَقادِيرَ بِأسْرِها عَلى السَّوِيَّةِ، قَضى بِافْتِقارِها في مَقادِيرِها إلى مُخَصِّصٍ مُدَبِّرٍ.
وثانِيها: النَّظَرُ إلى أحْيازِها، فَإنَّ كُلَّ فَلَكٍ مُماسٍّ بِمُحَدَّبِهِ فَلَكًا آخَرَ فَوْقَهُ وبِمُقَعَّرِهِ فَلَكًا آخَرَ تَحْتَهُ، ثُمَّ ذَلِكَ الفَلَكُ إمّا أنْ يَكُونَ مُتَشابِهَ الأجْزاءِ أوْ يَنْتَهِيَ بِالآخِرَةِ إلى جِسْمٍ مُتَشابِهِ الأجْزاءِ، وذَلِكَ الجِسْمُ المُتَشابِهُ الأجْزاءِ لا بُدَّ وأنْ تَكُونَ طَبِيعَةُ كُلِّ واحِدٍ مِن طَرَفَيْهِ مُساوِيَةً لِطَبِيعَةِ طَرَفِهِ الآخَرِ، فَكَما صَحَّ عَلى مُحَدَّبِهِ أنْ يَلْقى جِسْمًا وجَبَ أنْ يَصِحَّ عَلى مُقَعَّرِهِ أنْ يَلْقى ذَلِكَ الجِسْمَ، ومَتى كانَ كَذَلِكَ صَحَّ أنَّ العالِيَ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ سافِلًا، والسّافِلُ يُمْكِنُ وُقُوعُهُ عالِيًا، ومَتى كانَ كَذَلِكَ كانَ اخْتِصاصُ كُلِّ واحِدٍ مِنها بِحَيِّزِهِ المُعَيَّنِ أمْرًا جائِزًا يَقْضِي العَقْلُ بِافْتِقارِهِ إلى المُقْتَضى.