Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:163
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّ الألْفاظَ المُشْتَقَّةَ دالَّةٌ عَلى حُصُولِ صِفَةٍ لِلذّاتِ، ثُمَّ ماهِيّاتُ صِفَةِ الحَقِّ أيْضًا غَيْرُ مَعْلُومَةٍ إلّا بِآثارِها الظّاهِرَةِ في عالَمِ الحُدُوثِ، فَلا يُعْرَفُ مِن عِلْمِهِ إلّا أنَّهُ الأمْرُ الَّذِي بِاعْتِبارِهِ صَحَّ مِنهُ الإحْكامُ والإتْقانُ، ومِن قُدْرَتِهِ إلّا أنَّها الأمْرُ الَّذِي بِاعْتِبارِهِ صَحَّ مِنهُ صُدُورُ الفِعْلِ والتَّرْكِ، فَإذَنْ هَذِهِ الصِّفاتُ لا يُمْكِنُنا تَعَقُّلُها إلّا عِنْدَ الِالتِفاتِ إلى الأحْوالِ المُخْتَلِفَةِ في عالَمِ الحُدُوثِ، فالألْفاظُ المُشْتَقَّةُ لا تُشِيرُ إلى الحَقِّ سُبْحانَهُ وحْدَهُ، بَلْ تُشِيرُ إلَيْهِ وإلى عالَمِ الحُدُوثِ مَعًا، والنّاظِرُ إلى شَيْئَيْنِ لا يَكُونُ مُسْتَكْمِلًا في كُلِّ واحِدٍ مِنهُما، بَلْ يَكُونُ ناقِصًا قاصِرًا، فَإذَنْ جَمِيعُ الأسْماءِ المُشْتَقَّةِ لا تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ في مَقامِ مَعْرِفَةِ الحَقِّ، بَلْ كَأنَّها تَصِيرُ حِجابًا بَيْنَ العَبْدِ وبَيْنَ الِاسْتِغْراقِ في مَعْرِفَةِ الرَّبِّ، وأمّا (هو) فَإنَّهُ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِن حَيْثُ هو هو، لا مِن حَيْثُ عَرَضَتْ لَهُ إضافَةٌ أوْ نِسْبَةٌ بِالقِياسِ إلى عالَمِ الحُدُوثِ، فَكانَ لَفْظُ (هو) يُوَصِّلُكَ إلى الحَقِّ ويَقْطَعُكَ عَمّا سِواهُ، وما عَداهُ مِنَ الأسْماءِ فَإنَّهُ لا يَقْطَعُكَ عَمّا سِواهُ، فَكانَ بِلَفْظِ (هو) أشْرَفَ.