Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:163
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
بَقِيَ أنَّ هُناكَ قَوْمًا يُجَوِّزُونَ الِاتِّحادَ: الأرْواحُ البَشَرِيَّةُ إذا اسْتَنارَتْ بِأنْوارِ مَعْرِفَةِ تِلْكَ الحَقِيقَةِ اتَّحَدَ العاقِلُ بِالمَعْقُولِ، وعِنْدَ الِاتِّحادِ يَصِحُّ لِذَلِكَ العارِفِ أنْ يَقُولَ: أنا اللَّهُ، إلّا أنَّ القَوْلَ بِالِاتِّحادِ غَيْرُ مَعْقُولٍ؛ لِأنَّ حالَ الِاتِّحادِ إنْ فَنِيا أوْ أحَدُهُما، فَذاكَ لَيْسَ بِاتِّحادٍ، وإنْ بَقِيا فَهُما اثْنانِ لا واحِدٌ، ولَمّا انْسَدَّ هَذا الطَّرِيقُ الَّذِي هو أكْمَلُ الطُّرُقِ في الإشارَةِ بَقِيَ الطَّرِيقانِ الآخَرانِ، وهو (أنْتَ) و(هو)، أمّا (أنْتَ) فَهو لِلْحاضِرِينَ في مَقاماتِ المُكاشَفاتِ والمُشاهَداتِ لِمَن فَنِيَ عَنْ جَمِيعِ الحُظُوظِ البَشَرِيَّةِ عَلى ما أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْ يُونُسَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّهُ بَعْدَ أنْ فَنِيَ عَنْ ظُلُماتِ عالَمِ الحُدُوثِ وعَنْ آثارِ الحُدُوثِ وصَلَ إلى مَقامِ الشُّهُودِ فَقالَ: ﴿فَنادى في الظُّلُماتِ أنْ لا إلَهَ إلّا أنْتَ﴾ [الأنْبِياءِ: ٨٧] وهَذا يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّهُ لا سَبِيلَ إلى الوُصُولِ إلى مَقامِ المُشاهَدَةِ والمُخاطَبَةِ إلّا بِالغَيْبَةِ عَنْ كُلِّ ما سِواهُ، وقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» وأمّا (هو) فَلِلْغائِبِينَ، ثُمَّ هَهُنا بَحْثٌ وهو: أنَّ (هو) في حَقِّهِ أشْرَفُ الأسْماءِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ: