Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:163
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
خامِسُها: أنَّهُ لا خَبَرَ عِنْدَ العُقُولِ مِن كُنْهِ صِفاتِهِ، كَما لا خَبَرَ عِنْدَها مِن كُنْهِ ذاتِهِ؛ وذَلِكَ لِأنّا لا نَعْرِفُ مِن عِلْمِهِ إلّا أنَّهُ الأمْرُ الَّذِي لِأجْلِهِ ظَهَرَ الإحْكامُ والإتْقانُ في عالَمِ المَخْلُوقاتِ، فالمَعْلُومُ مِن عِلْمِهِ أنَّهُ أمْرٌ ما، لا نَدْرِي أنَّهُ ما هو، ولَكِنْ نَعْلَمُ مِنهُ أنَّهُ يَلْزَمُهُ هَذا الأثَرُ المَحْسُوسُ، وكَذا القَوْلُ في كَوْنِهِ قادِرًا وحَيًّا، فَسُبْحانَ مَن رَدَعَ بِنُورِ عِزَّتِهِ أنْوارَ العُقُولِ والأفْهامِ، وأمّا إنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى واحِدٌ في أفْعالِهِ فالأمْرُ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ المَوْجُودَ إمّا واجِبٌ وإمّا مُمْكِنٌ، فالواجِبُ هو هو، والمُمْكِنُ ما عَداهُ، وكُلُّ ما كانَ مُمْكِنًا فَإنَّهُ يَجُوزُ أنْ لا يُوجَدَ ما لَمْ يَتَّصِلْ بِالواجِبِ، ولا يَخْتَلِفُ هَذا الحُكْمُ بِاخْتِلافِ أقْسامِ المُمْكِناتِ، سَواءٌ كانَ مُلْكًا أوْ مِلْكًا أوْ كانَ فِعْلًا لِلْعِبادِ، أوْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ، فَثَبَتَ أنَّ كُلَّ ما عَداهُ فَهو مُلْكُهُ ومِلْكُهُ وتَحْتَ تَصَرُّفِهِ وقَهْرِهِ وقُدْرَتِهِ واسْتِيلائِهِ، وعِنْدَ هَذا تُدْرِكُ شَمَّةً مِن رَوائِحِ أسْرارِ قَضائِهِ وقَدَرِهِ، ويَلُوحُ لَكَ شَيْءٌ مِن حَقائِقِ قَوْلِهِ: ﴿إنّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ﴾ [القَمَرِ: ٤٩] وتَعْرِفُ أنَّ المَوْجُودَ لَيْسَ البَتَّةَ إلّا ما هو هو، وما هو لَهُ، وإذا وقَعَتْ سَفِينَةُ الفِكْرَةِ في هَذِهِ اللُّجَّةِ، فَلَوْ سارَتْ إلى الأبَدِ لَمْ تَقِفْ؛ لِأنَّ السَّيْرَ إنَّما يَكُونُ مِن شَيْءٍ إلى شَيْءٍ، فالشَّيْءُ الأوَّلُ مَتْرُوكٌ، والشَّيْءُ الثّانِي مَطْلُوبٌ، وهُما مُتَغايِرانِ، فَأنْتَ بَعْدُ خارِجٌ عَنْ عالَمِ الفَرْدانِيَّةِ والوَحْدانِيَّةِ، فَأمّا إذا وصَلْتَ إلى بَرْزَخِ عالَمِ الحُدُوثِ والقِدَمِ، فَهُناكَ تَنْقَطِعُ الحَرَكاتُ، وتَضْمَحِلُّ العَلاماتُ والأماراتُ، ولَمْ يَبْقَ في العُقُولِ والألْبابِ إلّا مُجَرَّدُ أنَّهُ هو، فَيا هو ويا مَن لا هو إلّا هو أحْسِنْ إلى عَبْدِكَ الضَّعِيفِ؛ فَإنَّ عَبْدَكَ بِفِنائِكَ ومِسْكِينَكَ بِبابِكَ.