Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:158
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الخامِسُ: كَما أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ﴾ لا يُطْلَقُ عَلى الواجِبِ، فَكَذَلِكَ لا يُطْلَقُ عَلى المَندُوبِ، ولا شَكَّ في أنَّ السَّعْيَ مَندُوبٌ، فَقَدْ صارَتِ الآيَةُ مَتْرُوكَةَ العَمَلِ بِظاهِرِها.
وأمّا التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فَضَعِيفٌ؛ لِأنَّ هَذا لا يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ المُرادُ مِن هَذا التَّطَوُّعِ هو الطَّوافُ المَذْكُورُ أوَّلًا، بَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ شَيْئًا آخَرَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ فَأوْجَبَ عَلَيْهِمُ الطَّعامَ، ثُمَّ نَدَبَهم إلى التَّطَوُّعِ بِالخَيْرِ فَكانَ المَعْنى: فَمَن تَطَوَّعَ وزادَ عَلى طَعامِ مِسْكِينٍ كانَ خَيْرًا، فَكَذا هاهُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّطَوُّعُ مَصْرُوفًا إلى شَيْءٍ آخَرَ وهو مِن وجْهَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّهُ يَزِيدُ في الطَّوافِ فَيَطُوفُ أكْثَرَ مِنَ الطَّوافِ الواجِبِ مِثْلَ أنْ يَطُوفَ ثَمانِيَةً أوْ أكْثَرَ.
الثّانِي: أنْ يَتَطَوَّعَ بَعْدَ حَجِّ الفَرْضِ وعُمْرَتِهِ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ مَرَّةً أُخْرى حَتّى طافَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ تَطَوُّعًا، وأمّا الحَدِيثُ الَّذِي تَمَسَّكُوا بِهِ فَنَقُولُ: ذَلِكَ الحَدِيثُ عامٌّ وحَدِيثُنا خاصٌّ والخاصُّ مُقَدَّمٌ عَلى العامِّ واللَّهُ أعْلَمُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ: