Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:156-157
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمالَ الكِسائِيُّ في بَعْضِ الرِّواياتِ مِن (إنّا) ولامِ (لِلَّهِ) والباقُونَ بِالتَّفْخِيمِ، وإنَّما جازَتِ الإمالَةُ في هَذِهِ الألِفِ لِلْكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، حَتّى صارَتْ بِمَنزِلَةِ الكَلِمَةِ الواحِدَةِ، قالَ الفَرّاءُ والكِسائِيُّ: لا يَجُوزُ إمالَةُ (إنّا) مَعَ غَيْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما وجَبَ ذَلِكَ لِأنَّ الأصْلَ في الحُرُوفِ وما جَرى مَجْراها امْتِناعُ الإمالَةِ، وكَذَلِكَ لا يَجُوزُ إمالَةُ (حَتّى) و(لَكِنَّ) .
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ ﴿إنّا لِلَّهِ﴾ إقْرارٌ مِنّا لَهُ بِالمُلْكِ: ﴿وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إقْرارٌ عَلى أنْفُسِنا بِالهَلاكِ، واعْلَمْ أنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ لَيْسَ عِبارَةً عَنِ الِانْتِقالِ إلى مَكانٍ أوْ جِهَةٍ، فَإنَّ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ مُحالٌ، بَلِ المُرادُ أنَّهُ يَصِيرُ إلى حَيْثُ لا يَمْلِكُ الحُكْمَ فِيهِ سِواهُ، وذَلِكَ هو الدّارُ الآخِرَةُ؛ لِأنَّ عِنْدَ ذَلِكَ لا يَمْلِكُ لَهم أحَدٌ نَفْعًا ولا ضَرًّا، وما دامُوا في الدُّنْيا قَدْ يَمْلِكُ غَيْرُ اللَّهِ نَفْعَهم وضَرَّهم بِحَسَبِ الظّاهِرِ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعالى هَذا رُجُوعًا إلَيْهِ تَعالى، كَما يُقالُ: إنَّ المُلْكَ والدَّوْلَةَ يَرْجِعُ إلَيْهِ لا بِمَعْنى الِانْتِقالِ بَلْ بِمَعْنى القُدْرَةِ وتَرْكِ المُنازَعَةِ.