Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:155
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: أمّا أنَّ الِابْتِلاءَ كَيْفَ يَصِحُّ عَلى اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى فَقَدْ تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: ١٢٤] وأمّا الحِكْمَةُ في تَقْدِيمِ تَعْرِيفِ هَذا الِابْتِلاءِ فَفِيها وُجُوهٌ:
أحَدُها: لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ عَلَيْها إذا ورَدَتْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْعَدَ لَهم عَنِ الجَزَعِ، وأسْهَلَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الوُرُودِ.
وثانِيها: أنَّهم إذا عَلِمُوا أنَّهُ سَتَصِلُ إلَيْهِمْ تِلْكَ المِحَنُ، اشْتَدَّ خَوْفُهم، فَيَصِيرُ ذَلِكَ الخَوْفُ تَعْجِيلًا لِلِابْتِلاءِ، فَيَسْتَحِقُّونَ بِهِ مَزِيدَ الثَّوابِ.
وثالِثُها: أنَّ الكُفّارَ إذا شاهَدُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ مُقِيمِينَ عَلى دِينِهِمْ مُسْتَقِرِّينَ عَلَيْهِ مَعَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِن نِهايَةِ الضُّرِّ والمِحْنَةِ والجُوعِ، يَعْلَمُونَ أنَّ القَوْمَ إنَّما اخْتارُوا هَذا الدِّينَ لِقَطْعِهِمْ بِصِحَّتِهِ، فَيَدْعُوهم ذَلِكَ إلى مَزِيدِ التَّأمُّلِ في دَلائِلِهِ، ومِنَ المَعْلُومِ الظّاهِرِ أنَّ التَّبَعَ إذا عَرَفُوا أنَّ المَتْبُوعَ في أعْظَمِ المِحَنِ بِسَبَبِ المَذْهَبِ الَّذِي يَنْصُرُهُ، ثُمَّ رَأوْهُ مَعَ ذَلِكَ مُصِرًّا عَلى ذَلِكَ المَذْهَبِ كانَ ذَلِكَ أدْعى لَهم إلى اتِّباعِهِ مِمّا إذا رَأوْهُ مُرَفَّهَ الحالِ لا كُلْفَةَ عَلَيْهِ في ذَلِكَ المَذْهَبِ.