Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:154
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أجْزائِهِ إمّا أنْ يَكُونَ عِلْمًا بِذَلِكَ المَعْلُومِ وهو مُحالٌ؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ الجُزْءُ مُساوِيًا لِلْكُلِّ وهو مُحالٌ، وإمّا أنْ لا يَكُونَ شَيْءٌ مِن أجْزائِهِ عِلْمًا بِذَلِكَ المَعْلُومِ، فَعِنْدَ اجْتِماعِ تِلْكَ الأجْزاءِ، إمّا أنْ يَحْدُثَ زائِدٌ هو العِلْمُ بِذَلِكَ المَعْلُومِ الفَرْدِ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ العِلْمُ بِذَلِكَ المَعْلُومِ هو هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ الحادِثَةُ لا تِلْكَ الأشْياءُ الَّتِي فَرَضْناها قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ إنْ كانَتْ مُنْقَسِمَةً عادَ الحَدِيثُ فِيهِ وإنْ لَمْ تَكُنْ مُنْقَسِمَةً فَهو المَطْلُوبُ، وأمّا أنَّهُ إذا كانَ في المَعْلُومِ عِلْمٌ لا يَقْبَلُ القِسْمَةَ كانَ المَوْصُوفُ بِهِ أيْضًا كَذَلِكَ، فَلِأنَّ المَوْصُوفَ بِهِ لَوْ كانَ قَبِلَ القِسْمَةَ لَكانَ كُلُّ واحِدٍ مِن تِلْكَ الأجْزاءِ أوْ شَيْءٌ مِنها إنْ كانَ مَوْصُوفًا بِهِ بِتَمامِهِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ العَرَضُ الواحِدُ حالًّا في أشْياءَ كَثِيرَةٍ وهو مُحالٌ، أوْ يَتَوَزَّعُ أجْزاءُ الحالِّ عَلى أجْزاءِ المَحَلِّ، فَيُقَسَّمُ الحالُّ وقَدْ فَرَضْنا أنَّهُ غَيْرُ مُنْقَسِمٍ أوْ لا يَتَّصِفُ شَيْءٌ مِن أجْزاءِ المَحَلِّ إلّا بِتَمامِ الحالِّ ولا شَيْءَ مِن أجْزاءِ ذَلِكَ الحالِّ، فَحِينَئِذٍ يَكُونُ ذَلِكَ المَحَلُّ خالِيًا عَنْ ذَلِكَ الحالِّ وقَدْ فَرَضْناهُ مَوْصُوفًا بِهِ هَذا خُلْفٌ، وأمّا أنَّ كُلَّ مُتَحَيِّزٍ يَنْقَسِمُ فَبِالدَّلائِلِ المَذْكُورَةِ في نَفْيِ الجَوْهَرِ الفَرْدِ، قالُوا: فَثَبَتَ أنَّ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ كُلُّ أحَدٍ بِقَوْلِهِ: (أنا مَوْجُودٌ) لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ ولا قائِمٌ بِالمُتَحَيِّزِ. ثُمَّ نَقُولُ: هَذا المَوْجُودُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مُدْرِكًا لِلْجُزْئِيّاتِ؛ لِأنَّهُ لا يُمْكِنُنِي أنْ أحْكُمَ عَلى هَذا الشَّخْصِ المُشارِ إلَيْهِ بِأنَّهُ إنْسانٌ ولَيْسَ بِفَرَسٍ، والحاكِمُ بِشَيْءٍ عَلى شَيْءٍ لا بُدَّ وأنْ يُحْضِرَ المَقْضِيَّ عَلَيْهِما فَهَذا الشَّيْءُ مُدْرِكٌ لِهَذا الجُزْئِيِّ ولِلْإنْسانِ الكُلِّيِّ حَتّى يُمْكِنَهُ أنْ يَحْكُمَ بِهَذا الكُلِّيِّ عَلى هَذا الجُزْئِيِّ والمُدْرِكِ لِلْكُلِّيّاتِ هو النَّفْسُ، والمُدْرِكُ لِلْجُزْئِيّاتِ أيْضًا هو النَّفْسُ، فَكُلُّ مَن كانَ مُدْرِكًا لِلْجُزْئِيّاتِ فَإنَّهُ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَلْتَذَّ ويَتَألَّمَ، قالُوا: إذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: هَذِهِ الأرْواحُ بَعْدَ المُفارَقَةِ تَتَألَّمُ وتَلْتَذُّ إلى أنْ يَرُدَّها اللَّهُ تَعالى إلى الأبْدانِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَهُناكَ يَحْصُلُ الِالتِذاذُ والتَّألُّمُ لِلْأبْدانِ، فَهَذا قَوْلٌ قالَ بِهِ عالَمٌ مِنَ النّاسِ، قالُوا: وهَبْ أنَّهُ لَمْ يَقُمْ بُرْهانٌ قاهِرٌ عَلى القَوْلِ بِهِ ولَكِنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلى فَسادِهِ، فَإنَّهُ مِمّا يُؤَيِّدُ الشَّرْعُ ويَنْصُرُ ظاهِرَ القُرْآنِ ويُزِيلُ الشُّكُوكَ والشُّبُهاتِ عَمّا ورَدَ في كِتابِ اللَّهِ مِن ثَوابِ القَبْرِ وعَذابِهِ، فَوَجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، فَهَذا هو الإشارَةُ المُخْتَصَرَةُ في تَوْجِيهِ هَذا القَوْلِ، واللَّهُ هو العالِمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.