Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:149-150
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنْ يُعْطَفَ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: واخْشَوْنِي لِأُوَفِّقَكم ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكم، والقَوْلُ الأوَّلُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّهُ تَعالى أنْزَلَ عِنْدَ قُرْبِ وفاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] فَبَيَّنَ أنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ إنَّما حَصَلَ ذَلِكَ اليَوْمَ، فَكَيْفَ قالَ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِسِنِينَ كَثِيرَةٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ قُلْنا: تَمامُ النِّعْمَةِ اللّائِقَةِ في كُلِّ وقْتٍ هو الَّذِي خَصَّهُ بِهِ، وفي الحَدِيثِ: «”تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ“» وعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: تَمامُ النِّعْمَةِ المَوْتُ عَلى الإسْلامِ.
واعْلَمْ أنَّ الَّذِي حَكَيْناهُ عَنْ أبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنَ التَّشَكُّكِ في صَلاةِ الرَّسُولِ وصَلاةِ أُمَّتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَإنْ كانَ مُرادُهُ أنَّ ألْفاظَ القُرْآنِ لا تَدُلُّ عَلى ذَلِكَ فَقَدْ أصابَ؛ لِأنَّ شَيْئًا مِن ألْفاظِ القُرْآنِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ذَلِكَ البَتَّةَ عَلى ما بَيَّناهُ، وإنْ أرادَ بِهِ إنْكارَهُ أصْلًا، فَبَعِيدٌ؛ لِأنَّ الأخْبارَ في ذَلِكَ قَرِيبَةٌ مِنَ المُتَواتِرِ، ولِأبِي مُسْلِمٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنْ يُمْنَعَ التَّواتُرُ، وعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: لا يَصِحُّ التَّعْوِيلُ في القَطْعِ بِوُقُوعِ النَّسْخِ في شَرْعِنا عَلى خَبَرِ الواحِدِ واللَّهُ أعْلَمُ.