Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:149-150
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: أنَّ العَرَبَ قالُوا: إنَّهُ كانَ يَقُولُ: أنا عَلى دِينِ إبْراهِيمَ والآنَ تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ، ومَن تَرَكَ التَّوَجُّهَ إلى الكَعْبَةِ فَقَدْ تَرَكَ دِينَ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَصارَتْ هَذِهِ الوُجُوهُ وسائِلَ لَهم إلى الطَّعْنِ في شَرْعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -، إلّا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا عَلِمَ أنَّ الصَّلاحَ في ذَلِكَ أوْجَبَ عَلَيْهِمُ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ لِما فِيهِ مِنَ المَصْلَحَةِ في الدِّينِ؛ لِأنَّ قَوْلَهم لا يُؤَثِّرُ في المَصالِحِ، وقَدْ بَيَّنّا مِن قَبْلُ تِلْكَ المَصْلَحَةَ، وهي تَمْيِزُ مَنِ اتَّبَعَهُ بِمَكَّةَ مِمَّنْ أقامَ عَلى تَكْذِيبِهِ، فَإنَّ ذَلِكَ الِامْتِيازَ ما كانَ يَظْهَرُ إلّا بِهَذا الجِنْسِ ولَمّا انْتَقَلَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى المَدِينَةِ تَغَيَّرَتِ المَصْلَحَةُ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ تَحْوِيلَ القِبْلَةِ إلى الكَعْبَةِ، فَلِهَذا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ يَعْنِي تِلْكَ الشُّبْهَةَ الَّتِي ذَكَرُوها تَزُولُ بِسَبَبِ هَذا التَّحْوِيلِ، ولَمّا كانَ فِيهِمْ مِنَ المَعْلُومِ مَن حالُهُ أنَّهُ يَتَعَلَّقُ عِنْدَ هَذا التَّحْوِيلِ بِشُبْهَةٍ أُخْرى، وهو قَوْلُ بَعْضِ العَرَبِ: إنَّ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عادَ إلى دِينِنا في الكَعْبَةِ وسَيَعُودُ إلى دِينِنا بِالكُلِّيَّةِ، وكانَ التَّمَسُّكُ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ والِاسْتِمْرارُ عَلَيْها سَبَبًا لِلْبَقاءِ عَلى الجَهْلِ والكُفْرِ، وذَلِكَ ظُلْمٌ عَلى النَّفْسِ عَلى ما قالَ تَعالى: ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] فَلا جَرَمَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إلّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ .