Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:146-148
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والجَوابُ عَنْ هَذا الإشْكالِ إنَّما يَتَوَجَّهُ لَوْ قُلْنا: بِأنَّ العِلْمَ بِنُبُوَّتِهِ إنَّما حَصَلَ مِنِ اشْتِمالِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ عَلى وصْفِهِ، ونَحْنُ لا نَقُولُ بِهِ، بَلْ نَقُولُ أنَّهُ ادَّعى النُّبُوَّةَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَةُ عَلى يَدِهِ، وكُلُّ مَن كانَ كَذَلِكَ كانَ نَبِيًّا صادِقًا، فَهَذا بُرْهانٌ والبُرْهانُ يُفِيدُ اليَقِينَ، فَلا جَرَمَ كانَ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ أقْوى وأظْهَرَ مِنَ العِلْمِ بِبُنُوَّةِ الأبْناءِ وأُبُوَّةِ الآباءِ.
السُّؤالُ الثّالِثُ: فَعَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي قَرَّرْتُمُوهُ كانَ العِلْمُ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ عِلْمًا بُرْهانِيًّا غَيْرَ مُحْتَمِلٍ لِلْغَلَطِ، أمّا العِلْمُ بِأنَّ هَذا ابْنِي فَذَلِكَ لَيْسَ عِلْمًا يَقِينِيًّا، بَلْ ظَنٌّ ومُحْتَمِلٌ لِلْغَلَطِ، فَلِمَ شُبِّهَ اليَقِينُ بِالظَّنِّ ؟
والجَوابُ: لَيْسَ المُرادُ أنَّ العِلْمَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ يُشْبِهُ العِلْمَ بِبُنُوَّةِ الأبْناءِ، بَلِ المُرادُ بِهِ تَشْبِيهُ العِلْمِ بِأشْخاصِ الأبْناءِ وذَواتِهِمْ، فَكَما أنَّ الأبَ يَعْرِفُ شَخْصَ ابْنِهِ مَعْرِفَةً لا يُشْتَبَهُ هو عِنْدَهُ بِغَيْرِهِ، فَكَذا هاهُنا، وعِنْدَ هَذا يَسْتَقِيمُ التَّشْبِيهُ؛ لِأنَّ هَذا العِلْمَ ضَرُورِيٌّ وذَلِكَ نَظَرِيٌّ، وتَشْبِيهُ النَّظَرِيِّ بِالضَّرُورِيِّ يُفِيدُ المُبالَغَةَ وحُسْنَ الِاسْتِعارَةِ.
السُّؤالُ الرّابِعُ: لِمَ خَصَّ الأبْناءَ الذُّكُورَ ؟
الجَوابُ: لِأنَّ الذُّكُورَ أعْرَفُ وأشْهَرُ، وهم بِصُحْبَةِ الآباءِ ألْزَمُ وبِقُلُوبِهِمْ ألْصَقُ.