Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:145
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
القَوْلُ الثّالِثُ: إنَّ ظاهِرَ الخِطابِ وإنْ كانَ مَعَ الرَّسُولِ إلّا أنَّ المُرادَ مِنهُ غَيْرُهُ، وهَذا كَما أنَّكَ إذا عاتَبْتَ إنْسانًا أساءَ عَبْدُهُ إلى عَبْدِكَ فَتَقُولُ لَهُ: لَوْ فَعَلْتَ مَرَّةً أُخْرى مِثْلَ هَذا الفِعْلِ لَعاقَبْتُكَ عَلَيْهِ عِقابًا شَدِيدًا، فَكانَ الغَرَضُ مِنهُ لا يَمِيلُ إلى مُخاطَبَتِهِمْ ومُتابَعَتِهِمْ أحَدٌ مِنَ الأُمَّةِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ فِيهِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: أنَّهُ تَعالى لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أنَّهُ نَفْسُ العِلْمِ جاءَكَ، بَلِ المُرادُ الدَّلائِلُ والآياتُ والمُعْجِزاتُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن طُرُقِ العِلْمِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ إطْلاقِ اسْمِ الأثَرِ عَلى المُؤَثِّرِ، واعْلَمْ أنَّ الغَرَضَ مِنَ الِاسْتِعارَةِ هو المُبالَغَةُ والتَّعْظِيمُ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَظَّمَ أمْرَ النُّبُوّاتِ والمُعْجِزاتِ بِأنْ سَمّاها بِاسْمِ العِلْمِ، وذَلِكَ يُنَبِّهُكَ عَلى أنَّ العِلْمَ أعْظَمُ المَخْلُوقاتِ شَرَفًا ومَرْتَبَةً.
* * *
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ تَوَجُّهَ الوَعِيدِ عَلى العُلَماءِ أشَدُّ مِن تَوَجُّهِهِ عَلى غَيْرِهِمْ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ العِلْمِ﴾ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ.
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ فالمُرادُ إنَّكَ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ لَكُنْتَ بِمَنزِلَةِ القَوْمِ في كُفْرِهِمْ وظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، والغَرَضُ مِنهُ التَّهْدِيدُ والزَّجْرُ، واللَّهُ أعْلَمُ.