Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:145
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الخامِسُ: وما أنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَةَ جَمِيعِ أهْلِ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى؛ لِأنَّ قِبْلَةَ اليَهُودِ مُخالِفَةٌ لِقِبْلَةِ النَّصارى، فَلِلْيَهُودِ بَيْتُ المَقْدِسِ ولِلنَّصارى المَشْرِقُ، فالزَمْ قِبْلَتَكَ ودَعْ أقْوالَهم.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ قالَ القَفّالُ: هَذا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى الحالِ وعَلى الِاسْتِقْبالِ، أمّا عَلى الحالِ فَمِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّهم لَيْسُوا مُجْتَمِعِينَ عَلى قِبْلَةٍ واحِدَةٍ حَتّى يُمْكِنَ إرْضاؤُهم بِاتِّباعِها.
الثّانِي: أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى تَكْذِيبِكَ مُتَبايِنُونَ في القِبْلَةِ فَكَيْفَ يَدْعُونَكَ إلى تَرْكِ قِبْلَتِكَ مَعَ أنَّهم فِيما بَيْنَهم مُخْتَلِفُونَ.
الثّالِثُ: أنَّ هَذا إبْطالٌ لِقَوْلِهِمْ إنَّهُ لا يَجُوزُ مُخالَفَةُ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّهُ إذا جازَ أنْ تَخْتَلِفَ قِبْلَتاهُما لِلْمَصْلَحَةِ جازَ أنْ تَكُونَ المَصْلَحَةُ في ثالِثٍ، وأمّا حَمْلُ الآيَةِ عَلى الِاسْتِقْبالِ فَفِيهِ إشْكالٌ، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَنْفِي أنْ يَكُونَ أحَدٌ مِنهم قَدِ اتَّبَعَ قِبْلَةَ الآخَرِ لَكِنَّ ذَلِكَ قَدْ وقَعَ فَيُفْضِي إلى الخُلْفِ، وجَوابُهُ أنّا إنْ حَمَلْنا أهْلَ الكِتابِ عَلى عُلَمائِهِمُ الَّذِينَ كانُوا في ذَلِكَ الزَّمانِ فَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَنا أنَّ
صفحة ١١٥
أحَدًا مِنهم يَتَّبِعُ قِبْلَةَ الآخَرِ فالخُلْفُ غَيْرُ لازِمٍ، وإنْ حَمَلْناهُ عَلى الكُلِّ قُلْنا إنَّهُ عامٌّ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ.
* * *