Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:144
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
البَحْثُ الثّانِي: المُصَلِّي إذا كانَ بِأرْضِ مَكَّةَ وبَيْنَهُ وبَيْنَ الكَعْبَةِ حائِلٌ، واشْتَبَهَ عَلَيْهِ فَهَلْ لَهُ أنْ يَجْتَهِدَ ؟ قالَ صاحِبُ ”التَّهْذِيبِ“ نُظِرَ إنْ كانَ الحائِلُ أصْلِيًّا كالجِبالِ فَلَهُ الِاجْتِهادُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ أصْلِيًّا كالأبْنِيَةِ فَعَلى وجْهَيْنِ.
أحَدُهُما: لَهُ الِاجْتِهادُ لِأنَّ بَيْنَهُ وبَيْنَها حائِلًا يَمْنَعُ المُشاهَدَةَ كَما في الحائِلِ الأصْلِيِّ.
والثّانِي: لَيْسَ لَهُ الِاجْتِهادُ لِأنَّ فَرْضَهُ الرُّجُوعُ إلى اليَقِينِ، وهو قادِرٌ عَلى تَحْصِيلِ اليَقِينِ فَوَجَبَ أنْ لا يَكْتَفِيَ فِيهِ بِالظَّنِّ، وهَذا الوَجْهُ هو اللّائِقُ بِمَساقِ الآيَةِ؛ لِأنَّها لَمّا دَلَّتْ عَلى وُجُوبِ التَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، والمُكَلَّفُ إذا كانَ قادِرًا عَلى تَحْصِيلِ العِلْمِ لا يَجُوزُ لَهُ الِاكْتِفاءُ بِالظَّنِّ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ طَلَبُ اليَقِينِ.
القِسْمُ الثّانِي: القادِرُ عَلى تَحْصِيلِ الظَّنِّ دُونَ اليَقِينِ. واعْلَمْ أنَّ لِتَحْصِيلِ هَذا الظَّنِّ طُرُقًا:
الطَّرِيقُ الأوَّلُ: الِاجْتِهادُ، وظاهِرُ قَوْلِ الشّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَقْتَضِي أنَّ الِاجْتِهادَ يُقَدَّمُ عَلى الرُّجُوعِ إلى قَوْلِ الغَيْرِ وهو الحَقُّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْتَبِرُوا ياأُولِي الأبْصارِ﴾ [الحشر: ٢]
صفحة ١٠٨
أمْرٌ بِالِاعْتِبارِ، والرَّجُلُ قادِرٌ عَلى الِاعْتِبارِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، فَوَجَبَ أنْ يَتَناوَلَهُ الأمْرُ.