Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:144
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: ظاهِرُ هَذِهِ الآيَةِ وذَلِكَ لِأنَّهُ تَعالى أوْجَبَ عَلى المُكَلَّفِ أنْ يُوَلِّيَ وجْهَهُ إلى جانِبِهِ، فَمَن ولّى وجْهَهُ إلى الجانِبِ الَّذِي حَصَلَتِ الكَعْبَةُ فِيهِ فَقَدْ أتى بِما أُمِرَ بِهِ سَواءٌ كانَ مُسْتَقْبِلًا لِلْكَعْبَةِ أمْ لا، فَوَجَبَ أنْ يَخْرُجَ عَنِ العُهْدَةِ، وأمّا الخَبَرُ فَما رَوى أبُو هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ”«ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» “، قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى -: لَيْسَ المُرادُ مِن هَذا الحَدِيثِ أنَّ كُلَّ ما يَصْدُقُ عَلَيْهِ أنَّهُ بَيْنَ مَشْرِقٍ ومَغْرِبٍ فَهو قِبْلَةٌ؛ لِأنَّ جانِبَ القُطْبِ الشَّمالِيِّ يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وهو بِالِاتِّفاقِ لَيْسَ بِقِبْلَةٍ، بَلِ المُرادُ أنَّ الشَّيْءَ الَّذِي هو بَيْنَ مَشْرِقٍ مُعَيَّنٍ ومَغْرِبٍ مُعَيَّنٍ قِبْلَةٌ، ونَحْنُ نَحْمِلُ ذَلِكَ عَلى الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ المَشْرِقِ الشِّتْوِيِّ وبَيْنَ المَغْرِبِ الصَّيْفِيِّ فَإنَّ ذَلِكَ قِبْلَةٌ وذَلِكَ لِأنَّ المَشْرِقَ الشِّتْوِيَّ جَنُوبِيٌّ مُتَباعِدٌ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ بِمِقْدارِ المَيْلِ، والمَغْرِبَ الصَّيْفِيَّ شَمالِيٌّ مُتَباعِدٌ عَنْ خَطِّ الِاسْتِواءِ بِمِقْدارِ المَيْلِ، والَّذِي بَيْنَهُما هو سَمْتُ مَكَّةَ، قالُوا: فَهَذا الحَدِيثُ بِأنْ يَدُلَّ عَلى مَذْهَبِنا أوْلى مِنهُ بِالدَّلالَةِ عَلى مَذْهَبِكم، أمّا فِعْلُ الصَّحابَةِ فَمِن وجْهَيْنِ: