Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:144
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثانِيها: ﴿قِبْلَةً تَرْضاها﴾ أيْ: تُحِبُّها بِسَبَبِ اشْتِمالِها عَلى المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ. وثالِثُها: قالَ الأصَمُّ: أيْ كُلَّ جِهَةٍ وجَّهَكَ اللَّهُ إلَيْها فَهي لَكَ رِضًا لا يَجُوزُ أنْ تَسْخَطَ، كَما فَعَلَ مَنِ انْقَلَبَ عَلى عَقِبَيْهِ مِنَ العَرَبِ الَّذِينَ كانُوا قَدْ أسْلَمُوا، فَلَمّا تَحَوَّلَتِ القِبْلَةُ ارْتَدُّوا. ورابِعُها: ﴿تَرْضاها﴾ أيْ: تَرْضى عاقِبَتَها لِأنَّكَ تَعْرِفُ بِها مَن يَتَّبِعُكَ لِلْإسْلامِ، فَمَن يَتَّبِعُكَ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِن دُنْيا يُصِيبُها أوْ مالٍ يَكْتَسِبُهُ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: المُرادُ مِنَ الوَجْهِ هاهُنا جُمْلَةُ بَدَنِ الإنْسانِ؛ لِأنَّ الواجِبَ عَلى الإنْسانِ أنْ يَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ بِجُمْلَتِهِ لا بِوَجْهِهِ فَقَطْ، والوَجْهُ يُذْكَرُ ويُرادُ بِهِ نَفْسُ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الوَجْهَ أشْرَفُ الأعْضاءِ، ولِأنَّ بِالوَجْهِ تُمَيَّزُ بَعْضُ النّاسِ عَنْ بَعْضٍ، فَلِهَذا السَّبَبِ قَدْ يُعَبَّرُ عَنْ كُلِّ الذّاتِ بِالوَجْهِ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: قالَ أهْلُ اللُّغَةِ: الشَّطْرُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يَقَعُ عَلى مَعْنَيَيْنِ:
أحَدُهُما: النِّصْفُ يُقالُ: شَطَرْتُ الشَّيْءَ أيْ جَعَلْتُهُ نِصْفَيْنِ، ويُقالُ في المَثَلِ أجْلِبُ جَلْبًا لَكَ شَطْرُهُ أيْ نِصْفُهُ.
والثّانِي: نَحْوَهُ وتِلْقاءَهُ وِجْهَتَهُ، واسْتَشْهَدَ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في كِتابِ ”الرِّسالَةِ“ عَلى هَذا بِأبْياتٍ أرْبَعَةٍ: قالَ خُفافُ بْنُ نُدْبَةَ: