Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:144
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الرّابِعَةُ: المَشْهُورُ أنَّ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ إنَّما صارَ مَنسُوخًا بِالأمْرِ بِالتَّوَجُّهِ إلى الكَعْبَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: التَّوَجُّهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ واحْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالقُرْآنِ والأثَرِ، أمّا القُرْآنُ فَهو أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ أوَّلًا قَوْلَهُ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ وهَذا التَّرْتِيبُ يَقْتَضِي صِحَّةَ المَذْهَبِ الَّذِي قُلْناهُ بِأنَّ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ صارَ مَنسُوخًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَلَزِمَ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ مُتَأخِّرًا في النُّزُولِ والدَّرَجَةِ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ في التَّرْتِيبِ عَلى خِلافِ الأصْلِ، فَثَبَتَ ما قُلْناهُ، وأمّا الأثَرُ فَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أمْرَ القِبْلَةِ أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ، والأمْرُ بِالتَّوَجُّهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ غَيْرُ مَذْكُورٍ في القُرْآنِ، إنَّما المَذْكُورُ في القُرْآنِ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾