Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:144
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
واعْلَمْ أنَّهُ عَلى أيِّ الوَجْهَيْنِ كانَ فَقَدْ صارَ مَنسُوخًا، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الأوَّلِ بِالقُرْآنِ والخَبَرِ، أمّا القُرْآنُ فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وذَلِكَ يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُخَيَّرًا في التَّوَجُّهِ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ، وأمّا الخَبَرُ فَما رَوى أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في كِتابِ أحْكامِ القُرْآنِ، «أنَّ نَفَرًا قَصَدُوا الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مِنَ المَدِينَةِ إلى مَكَّةَ لِلْبَيْعَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وكانَ فِيهِمُ البَراءُ بْنُ مَعْرُورٍ، فَتَوَجَّهَ بِصَلاتِهِ إلى الكَعْبَةِ في طَرِيقِهِ، وأبى الآخَرُونَ وقالُوا: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَتَوَجَّهُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا قَدِمُوا مَكَّةَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ عَلى قِبْلَةٍ - يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ - لَوْ ثَبَتَّ عَلَيْها أجْزَأكَ، ولَمْ يَأْمُرْهُ بِاسْتِئْنافِ الصَّلاةِ»، فَدَلَّ عَلى أنَّهم قَدْ كانُوا مُخَيَّرِينَ، واحْتَجَّ الذّاهِبُونَ إلى القَوْلِ الثّانِي بِأنَّهُ تَعالى قالَ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما كانَ يَرْتَضِي القِبْلَةَ الأُولى، فَلَوْ كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَها وبَيْنَ الكَعْبَةِ ما كانَ يَتَوَجَّهُ إلَيْها فَحَيْثُ تَوَجَّهَ إلَيْها مَعَ أنَّهُ كانَ ما يَرْتَضِيها عَلِمْنا أنَّهُ ما كانَ مُخَيَّرًا بَيْنَها وبَيْنَ الكَعْبَةِ.