Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:144
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّالِثُ: قالَ الحَسَنُ: إنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُخْبِرُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُحَوِّلُ القِبْلَةَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى قِبْلَةٍ أُخْرى، ولَمْ يُبَيِّنْ لَهُ إلى أيِّ مَوْضِعٍ يُحَوِّلُها، ولَمْ تَكُنْ قِبْلَةٌ أحَبَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الكَعْبَةِ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ يَنْتَظِرُ الوَحْيَ؛ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - عَلِمَ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَتْرُكُهُ بِغَيْرِ صَلاةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَأمَرَهُ أنْ يُصَلِّيَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، والقائِلُونَ بِهَذا الوَجْهِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن قالَ: إنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنِعَ مِنِ اسْتِقْبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ ولَمْ يُعَيَّنْ لَهُ القِبْلَةُ، فَكانَ يَخافُ أنْ يَرِدَ وقْتُ الصَّلاةِ ولَمْ تَظْهَرِ القِبْلَةُ فَتَتَأخَّرَ صَلاتُهُ؛ فَلِذَلِكَ كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ، عَنِ الأصَمِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ وُعِدَ بِذَلِكَ وقِبْلَةُ بَيْتِ المَقْدِسِ باقِيَةٌ بِحَيْثُ تَجُوزُ الصَّلاةُ إلَيْها، لَكِنْ لِأجْلِ الوَعْدِ كانَ يَتَوَقَّعُ ذَلِكَ، ولِأنَّهُ كانَ يَرْجُو عِنْدَ التَّحْوِيلِ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ وُجُوهًا كَثِيرَةً مِنَ المَصالِحِ الدِّينِيَّةِ، نَحْوَ: رَغْبَةِ العَرَبِ في الإسْلامِ، والمُبايَنَةِ عَنِ اليَهُودِ، وتَمْيِيزِ المُوافِقِ مِنَ المُنافِقِ، فَلِهَذا كانَ يُقَلِّبُ وجْهَهُ، وهَذا الوَجْهُ أوْلى، وإلّا لَما كانَتِ القِبْلَةُ الثّانِيَةُ ناسِخَةً لِلْأُولى، بَلْ كانَتْ مُبْتَدَأةً، والمُفَسِّرُونَ أجْمَعُوا عَلى أنَّها ناسِخَةٌ لِلْأُولى، ولِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ