Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:143
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ لِسانًا لِلْحِكْمَةِ في جَعْلِ بَيْتِ المَقْدِسِ قِبْلَةً، يَعْنِي أنَّ أصْلَ أمْرِكَ أنْ تَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ وأنَّ اسْتِقْبالَكَ بَيْتَ المَقْدِسِ كانَ أمْرًا عارِضًا لِغَرَضٍ، وإنَّما جَعَلْنا القِبْلَةَ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها قَبْلَ وقْتِكَ هَذا، وهي بَيْتُ المَقْدِسِ؛ لِنَمْتَحِنَ النّاسَ ونَنْظُرَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ ومَن لا يَتَّبِعُهُ ويَنْفِرُ عَنْهُ.
وهاهُنا وجْهٌ ثالِثٌ ذَكَرَهُ أبُو مُسْلِمٍ، فَقالَ: لَوْلا الرِّواياتُ لَمْ تَدُلَّ الآيَةُ عَلى قِبْلَةٍ مِن قِبَلِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - عَلَيْها؛ لِأنَّهُ قَدْ يُقالُ: كُنْتَ بِمَعْنى صِرْتَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] وقَدْ يُقالُ: كانَ في مَعْنى لَمْ يَزَلْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٥٨] فَلا يَمْتَنِعُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أيِ: الَّتِي لَمْ تَزَلْ عَلَيْها وهي الكَعْبَةُ إلّا كَذا وكَذا.
* * *
أمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِنَعْلَمَ﴾ لامُ الغَرَضِ، والكَلامُ في أنَّهُ هَلْ يَصِحُّ الغَرَضُ عَلى اللَّهِ أوْ لا يَصِحُّ ؟ وبِتَقْدِيرِ أنْ لا يَصِحَّ فَكَيْفَ تَأْوِيلُ هَذا الكَلامِ فَقَدْ تَقَدَّمَ.