Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:143
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إلّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلّا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
اعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وما جَعَلْنا﴾ مَعْناهُ ما شَرَعْنا وما حَكَمْنا كَقَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] أيْ: ما شَرَعَها ولا جَعَلَها دِينًا، وقَوْلُهُ: ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾ أيْ: كُنْتَ مُعْتَقِدًا لِاسْتِقْبالِها، كَقَوْلِ القائِلِ: كانَ لِفُلانٍ عَلى فُلانٍ دَيْنٌ، وقَوْلُهُ: ﴿كُنْتَ عَلَيْها﴾ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْقِبْلَةِ، إنَّما هو ثانِي مَفْعُولَيْ جَعَلَ، يُرِيدُ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾ الجِهَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها.
ثُمَّ هاهُنا وجْهانِ:
الأوَّلُ: أنْ يَكُونَ هَذا الكَلامُ بَيانًا لِلْحِكْمَةِ في جَعْلِ القِبْلَةِ، وذَلِكَ لِأنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كانَ يُصَلِّي بِمَكَّةَ إلى الكَعْبَةِ ثُمَّ أُمِرَ بِالصَّلاةِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ بَعْدَ الهِجْرَةِ تَأْلِيفًا لِلْيَهُودِ، ثُمَّ حُوِّلَ إلى الكَعْبَةِ، فَنَقُولُ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ﴾ الجِهَةَ: ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ أوَّلًا، يَعْنِي: وما رَدَدْناكَ إلَيْها إلّا امْتِحانًا لِلنّاسِ وابْتِلاءً.