Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:143
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّ الوَسَطَ اسْمٌ لِما يَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ، فَجَعْلُهُ حَقِيقَةً في العَدالَةِ والخَيْرِيَّةِ يَقْتَضِي الِاشْتِراكَ وهو خِلافُ الأصْلِ، سَلَّمْنا اتِّصافَهم بِالخَيْرِيَّةِ ولَكِنْ لِمَ لا يَكْفِي في حُصُولِ هَذا الوَصْفِ الِاجْتِنابُ عَنِ الكَبائِرِ فَقَطْ، وإذا كانَ كَذَلِكَ احْتَمَلَ أنَّ الَّذِي أجْمَعُوا عَلَيْهِ وإنْ كانَ خَطَأً لَكِنَّهُ مِنَ الصَّغائِرِ فَلا يَقْدَحُ ذَلِكَ في خَيْرِيَّتِهِمْ، ومِمّا يُؤَكِّدُ هَذا الِاحْتِمالَ أنَّهُ تَعالى حَكَمَ بِكَوْنِهِمْ عُدُولًا لِيَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ وفِعْلُ الصَّغائِرِ لا يَمْنَعُ الشَّهادَةَ، سَلَّمْنا اجْتِنابَهم عَنِ الصَّغائِرِ والكَبائِرِ ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى بَيَّنَ أنَّ اتِّصافَهم بِذَلِكَ إنَّما كانَ لِكَوْنِهِمْ شُهَداءَ عَلى النّاسِ، مَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ الشَّهادَةَ إنَّما تَتَحَقَّقُ في الآخِرَةِ فَيَلْزَمُ وُجُوبُ تَحَقُّقِ عَدالَتِهِمْ هُناكَ لِأنَّ عَدالَةَ الشُّهُودِ إنَّما تُعْتَبَرُ حالَةَ الأداءِ لا حالَةَ التَّحَمُّلِ، وذَلِكَ لا نِزاعَ فِيهِ، لِأنَّ الأُمَّةَ تَصِيرُ مَعْصُومَةً في الآخِرَةِ فَلِمَ قُلْتَ إنَّهم في الدُّنْيا كَذَلِكَ ؟ سَلَّمْنا وُجُوبَ كَوْنِهِمْ عُدُولًا في الدُّنْيا لَكِنَّ المُخاطَبِينَ بِهَذا الخِطابِ هُمُ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ لِأنَّ الخِطابَ مَعَ مَن لَمْ يُوجَدْ مُحالٌ وإذا كانَ كَذَلِكَ فَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي عَدالَةَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا مَوْجُودِينَ في ذَلِكَ الوَقْتِ ولا تَقْتَضِي عَدالَةَ غَيْرِهِمْ، فَهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إجْماعَ أُولَئِكَ حَقٌّ فَيَجِبُ أنْ لا نَتَمَسَّكَ بِالإجْماعِ إلّا إذا عَلِمْنا حُصُولَ قَوْلِ كُلِّ أُولَئِكَ فِيهِ لَكِنَّ ذَلِكَ لا يُمْكِنُ إلّا إذا عَلِمْنا كُلَّ واحِدٍ مِن أُولَئِكَ الأقْوامِ بِأعْيانِهِمْ وعَلِمْنا بَقاءَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم إلى ما بَعْدَ وفاةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وعَلِمْنا حُصُولَ أقْوالِهِمْ بِأسْرِهِمْ في ذَلِكَ الإجْماعِ ولَمّا كانَ ذَلِكَ كالمُتَعَذَّرِ امْتَنَعَ التَّمَسُّكُ بِالإجْماعِ.