Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:132
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الثّانِي: أنَّ المِلَّةَ أجْمَعُ مِن تِلْكَ الكَلِمَةِ ومَعْلُومٌ أنَّهُ ما وصّى ولَدَهُ إلّا بِما يَجْمَعُ فِيهِمُ الفَلاحَ والفَوْزَ بِالآخِرَةِ، والشَّهادَةُ وحْدَها لا تَقْتَضِي ذَلِكَ.
المَسْألَةُ الثّالِثَةُ: اعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الحِكايَةَ اشْتَمَلَتْ عَلى دَقائِقَ مُرَغِّبَةٍ في قَبُولِ الدِّينِ.
أحَدُها: أنَّهُ تَعالى لَمْ يَقُلْ وأمَرَ إبْراهِيمُ بَنِيهِ بَلْ قالَ: وصّاهم ولَفْظُ الوَصِيَّةِ أوْكَدُ مِنَ الأمْرِ، لِأنَّ الوَصِيَّةَ عِنْدَ الخَوْفِ مِنَ المَوْتِ، وفي ذَلِكَ الوَقْتِ يَكُونُ احْتِياطُ الإنْسانِ لِدِينِهِ أشَدَّ وأتَمَّ، فَإذا عَرَفَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ في ذَلِكَ الوَقْتِ كانَ مُهْتَمًّا بِهَذا الأمْرِ مُتَشَدِّدًا فِيهِ، كانَ القَوْلُ إلى قَبُولِهِ أقْرَبَ.
وثانِيها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَصَّصَ بَنِيهِ بِذَلِكَ، وذَلِكَ لِأنَّ شَفَقَةَ الرَّجُلِ عَلى أبْنائِهِ أكْثَرُ مِن شَفَقَتِهِ عَلى غَيْرِهِمْ، فَلَمّا خَصَّهم بِذَلِكَ في آخِرِ عُمْرِهِ، عَلِمْنا أنَّ اهْتِمامَهُ بِذَلِكَ كانَ أشَدَّ مِنَ اهْتِمامِهِ بِغَيْرِهِ.
وثالِثُها: أنَّهُ عَمَّمَ بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ جَمِيعَ بَنِيهِ ولَمْ يَخُصَّ أحَدًا مِنهم بِهَذِهِ الوَصِيَّةِ، وذَلِكَ أيْضًا يَدُلُّ عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ.
ورابِعُها: أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أطْلَقَ هَذِهِ الوَصِيَّةَ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِزَمانٍ مُعَيَّنٍ ومَكانٍ مُعَيَّنٍ، ثُمَّ زَجَرَهم أبْلَغَ الزَّجْرِ عَنْ أنْ يَمُوتُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ، وذَلِكَ يَدُلُّ أيْضًا عَلى شِدَّةِ الِاهْتِمامِ بِهَذا الأمْرِ.