Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:130
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعْدَ أنْ ذَكَرَ أمْرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وما أجْراهُ عَلى يَدِهِ مِن شَرائِفِ شَرائِعِهِ الَّتِي ابْتَلاهُ بِها، ومِن بِناءِ بَيْتِهِ وأمْرِهِ بِحَجِّ عِبادِ اللَّهِ إلَيْهِ وما جَبَلَهُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ مِنَ الحِرْصِ عَلى مَصالِحِ عِبادِهِ ودُعائِهِ بِالخَيْرِ لَهم، وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي سَلَفَ في هَذِهِ الآيَةِ السّالِفَةِ عَجَّبَ النّاسَ فَقالَ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ والإيمانُ بِما أتى مِن شَرائِعِهِ فَكانَ في ذَلِكَ تَوْبِيخُ اليَهُودِ والنَّصارى ومُشْرِكِي العَرَبِ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما يَفْتَخِرُونَ بِهِ ويُوصَلُونَ بِالوَصْلَةِ الَّتِي بَيْنَهم وبَيْنَهُ مِن نَسَبِ إسْرائِيلَ، والنَّصارى فافْتِخارُهم لَيْسَ بِعِيسى وهو مُنْتَسِبٌ مِن جانِبِ الأُمِّ إلى إسْرائِيلَ، وأمّا قُرَيْشٌ فَإنَّهم إنَّما نالُوا كُلَّ خَيْرٍ في الجاهِلِيَّةِ بِالبَيْتِ الَّذِي بَناهُ فَصارُوا لِذَلِكَ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ اللَّهِ، وسائِرُ العَرَبِ وهُمُ العَدْنانِيُّونَ فَمَرْجِعُهم إلى إسْماعِيلَ وهم يَفْتَخِرُونَ عَلى القَحْطانِيِّينَ بِإسْماعِيلَ بِما أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ النُّبُوَّةِ، فَرَجَعَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ افْتِخارُ الكُلِّ بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمّا ثَبَتَ أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي طَلَبَ مِنَ اللَّهِ تَعالى بَعْثَةَ هَذا الرَّسُولِ في آخِرِ الزَّمانِ وهو الَّذِي تَضَرَّعَ إلى اللَّهِ تَعالى في تَحْصِيلِ هَذا المَقْصُودِ، فالعَجَبُ مِمَّنْ أعْظَمُ مَفاخِرِهِ وفَضائِلِهِ الِانْتِسابُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ إنَّهُ لا يُؤْمِنُ بِالرَّسُولِ الَّذِي هو دَعْوَةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَطْلُوبُهُ بِالتَّضَرُّعِ لا شَكَّ أنَّ هَذا مِمّا يَسْتَحِقُّ أنْ يُتَعَجَّبَ مِنهُ.