Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:127-129
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ القَفّالُ: وعَبَّرَ بَعْضُ الفَلاسِفَةِ عَنِ الحِكْمَةِ بِأنَّها التَّشَبُّهُ بِالإلَهِ بِقَدْرِ الطّاقَةِ البَشَرِيَّةِ.
واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ بِالحِكْمَةِ هَهُنا عَلى وُجُوهٍ:
أحَدُها: قالَ ابْنُ وهْبٍ قُلْتُ لِمالِكٍ: ما الحِكْمَةُ ؟ قالَ: مَعْرِفَةُ الدِّينِ، والفِقْهُ فِيهِ، والِاتِّباعُ لَهُ.
وثانِيها: قالَ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الحِكْمَةُ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهو قَوْلُ قَتادَةَ، قالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ تَعالى ذَكَرَ تِلاوَةَ الكِتابِ أوَّلًا وتَعْلِيمَهُ ثانِيًا، ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ الحِكْمَةَ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الحِكْمَةِ شَيْئًا خارِجًا عَنِ الكِتابِ، ولَيْسَ ذَلِكَ إلّا سُنَّةَ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلى تَعْلِيمِ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ عَلى التَّوْحِيدِ والعَدْلِ والنُّبُوَّةِ ؟ قُلْنا: لِأنَّ العُقُولَ مُسْتَقْبِلَةٌ بِذَلِكَ فَحَمْلُ هَذا اللَّفْظِ عَلى ما لا يُسْتَفادُ مِنَ الشَّرْعِ أوْلى.
وثالِثُها: الحِكْمَةُ هي الفَصْلُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وهو مَصْدَرٌ بِمَعْنى الحُكْمِ، كالقِعْدَةِ والجِلْسَةِ. والمَعْنى: يُعَلِّمُهم كِتابَكَ الَّذِي تُنْزِلُهُ عَلَيْهِمْ، وفَصْلَ أقَضِيَتِكَ وأحْكامَكَ الَّتِي تُعَلِّمُهُ إيّاها، ومِثالُ هَذا: الخُبْرُ والخِبْرَةُ، والعُذْرُ والعِذْرَةُ، والغُلُّ والغِلَّةُ، والذُّلُّ والذِّلَّةُ.