Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:127-129
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وحالٍ وعَمَلٍ، فالعِلْمُ أوَّلٌ والحالُ ثانٍ وهو مُوجِبُ العِلْمِ والعَمَلُ ثالِثٌ وهو مُوجِبُ الحالِ، أمّا العِلْمُ فَهو مَعْرِفَةُ عِظَمِ ضَرَرِ الذُّنُوبِ، يَتَوَلَّدُ مِن هَذِهِ المَعْرِفَةِ تَألُّمُ القَلْبِ بِسَبَبِ فَوْتِ المَنفَعَةِ وحُصُولِ المَضَرَّةِ، وهَذا التَّألُّمُ هو المُسَمّى بِالنَّدَمِ ثُمَّ يَتَوَلَّدُ مِن هَذا النَّدَمِ صِفَةٌ تُسَمّى إرادَةً، ولَها تَعَلُّقٌ بِالحالِ والماضِي والمُسْتَقْبَلِ، أمّا تَعَلُّقُهُ بِالحالِ فَهو التَّرْكُ لِلذَّنْبِ الَّذِي كانَ مُلابِسًا لَهُ، وأمّا بِالِاسْتِقْبالِ فَبِالعَزْمِ عَلى تَرْكِ ذَلِكَ الفِعْلِ المُفَوِّتِ لِلْمَحْبُوبِ إلى آخِرِ العُمُرِ، وأمّا في الماضِي فَبِتَلافِي ما فاتَ بِالجَبْرِ والقَضاءِ إنْ كانَ قابِلًا لِلْجَبْرِ فالعِلْمُ هو الأوَّلُ وهو مَطْلَعُ هَذِهِ الخَيْراتِ وأعْنِي بِهَذا العِلْمِ الإيمانَ واليَقِينَ، فَإنَّ الإيمانَ عِبارَةٌ عَنِ التَّصْدِيقِ بِأنَّ الذُّنُوبَ سُمُومٌ مُهْلِكَةٌ واليَقِينَ عِبارَةٌ عَنْ تَأكُّدِ هَذا التَّصْدِيقِ وانْتِفاءِ الشَّكِّ عَنْهُ واسْتِيلائِهِ عَلى القَلْبِ، ثُمَّ إنَّ هَذا اليَقِينَ مَهْما اسْتَوْلى عَلى القَلْبِ اشْتَعَلَ نارُ النَّدَمِ فَيَتَألَّمُ بِهِ القَلْبُ حَيْثُ يُبْصِرُ بِإشْراقِ نُورِ الإيمانِ، أنَّهُ صارَ مَحْجُوبًا عَنْ مَحْبُوبِهِ كَمَن يُشْرِقُ عَلَيْهِ نُورُ الشَّمْسِ وقَدْ كانَ في ظُلْمَةٍ فَرَأى مَحْبُوبَهُ قَدْ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ فَتَشْتَعِلُ نِيرانُ الحُبِّ في قَلْبِهِ فَيَتَوَلَّدُ مِن تِلْكَ الحالَةِ إرادَتُهُ لِلِانْتِهاضِ لِلتَّدارُكِ.