Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:127-129
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ فالمَعْنى: واجْعَلْ مِن أوْلادِنا و”مِن“ لِلتَّبْعِيضِ وخَصَّ بَعْضَهم لِأنَّهُ تَعالى أعْلَمَهُما أنَّ في ذُرِّيَّتِهِما الظّالِمَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: أرادَ بِهِ العَرَبَ لِأنَّهم مِن ذُرِّيَّتِهِما، و”أُمَّةً“ قِيلَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ وهَهُنا سُؤالاتٌ:
السُّؤالُ الأوَّلُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ كَما يَدُلُّ عَلى أنَّ في ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكُونُ ظالِمًا فَكَذَلِكَ يُوجَدُ فِيهِمْ مَن لا يَكُونُ ظالِمًا، فَإذَنْ كَوْنُ بَعْضِ ذُرِّيَّتِهِ أُمَّةً مُسْلِمَةً صارَ مَعْلُومًا بِتِلْكَ الآيَةِ فَما الفائِدَةُ في طَلَبِهِ بِالدُّعاءِ مَرَّةً أُخْرى ؟
الجَوابُ: تِلْكَ الدَّلالَةُ ما كانَتْ قاطِعَةً، والشَّفِيقُ بِسُوءِ الظَّنِّ مُولَعٌ.
السُّؤالُ الثّانِي: لِمَ خَصَّ ذُرِّيَّتَهُما بِالدُّعاءِ ألَيْسَ أنَّ هَذا يَجْرِي مَجْرى البُخْلِ في الدُّعاءِ؟
والجَوابُ: الذُّرِّيَّةُ أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ والمَصْلَحَةِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا﴾ [التَّحْرِيمِ: ٦] ولِأنَّ أوْلادَ الأنْبِياءِ إذا صَلَحُوا صَلَحَ بِهِمْ غَيْرُهم وتابَعَهم عَلى الخَيْراتِ، ألا تَرى أنَّ المُتَقَدِّمِينَ مِنَ العُلَماءِ والكُبَراءِ إذا كانُوا عَلى السَّدادِ كَيْفَ يَتَسَبَّبُونَ إلى سَدادِ مَن وراءَهم.