Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:127-129
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ الإسْلامَ عَرَضٌ قائِمٌ بِالقَلْبِ وأنَّهُ لا يَبْقى زَمانَيْنِ فَقَوْلُهُ: ﴿واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ أيِ اخْلُقْ هَذا العَرَضَ فِينا في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ دائِمًا، وطَلَبُ تَحْصِيلِهِ في الزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي حُصُولَهُ في الحالِ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنهُ الزِّيادَةَ في الإسْلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفَتْحِ: ٤]، ﴿والَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهم هُدًى﴾ [مُحَمَّدٍ: ١٧] وقالَ إبْراهِيمُ: ﴿ولَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البَقَرَةِ: ٢٦٠] فَكَأنَّهُما دَعَواهُ بِزِيادَةِ اليَقِينِ والتَّصْدِيقِ، وطَلَبُ الزِّيادَةِ لا يُنافِي حُصُولَ الأصْلِ في الحالِ.
الثّالِثُ: أنَّ الإسْلامَ إذا أُطْلِقَ يُفِيدُ الإيمانَ والِاعْتِقادَ، فَأمّا إذا أُضِيفَ بِحَرْفِ اللّامِ كَقَوْلِهِ: ﴿مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ فالمُرادُ الِاسْتِسْلامُ لَهُ والِانْقِيادُ والرِّضا بِكُلِّ ما قَدَّرَ وتَرْكُ المُنازَعَةِ في أحْكامِ اللَّهِ تَعالى وأقْضِيَتِهِ، فَلَقَدْ كانا عارِفَيْنِ مُسْلِمَيْنِ لَكِنْ لَعَلَّهُ بَقِيَ في قُلُوبِهِما نَوْعٌ مِنَ المُنازَعَةِ الحاصِلَةِ بِسَبَبِ البَشَرِيَّةِ فَأرادَ أنْ يُزِيلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُما
صفحة ٥٥
بِالكُلِّيَّةِ لِيَحْصُلَ لَهُما مَقامُ الرِّضا بِالقَضاءِ عَلى سَبِيلِ الكَمالِ، فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّ الآيَةَ لَيْسَتْ مَتْرُوكَةَ الظّاهِرِ. قَوْلُهُ: يُحْمَلُ الجَعْلُ عَلى الحُكْمِ بِذَلِكَ، قُلْنا: هَذا مَدْفُوعٌ مِن وُجُوهٍ: