Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:124
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وكَيْفِيَّةِ نَقْضِنا لِعَهْدِ الإخْلاصِ والعُبُودِيَّةِ لَما قَدَرْنا عَلى ذَلِكَ فَإنّا مِن أوَّلِ الحَياةِ إلى آخِرِها ما صِرْنا مُنْفَكِّينَ لَحْظَةً واحِدَةً مِن أنْواعِ نِعَمِهِ عَلى ظاهِرِنا وباطِنِنا، وكُلُّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ النِّعَمِ تَسْتَدْعِي شُكْرًا عَلى حِدَةٍ وخِدْمَةً عَلى حِدَةٍ، ثُمَّ إنّا ما أتَيْنا بِها بَلْ ما تَنَبَّهْنا لَها وما عَرَفْنا كَيْفِيَّتَها وكَمِّيَّتَها، ثُمَّ إنَّهُ سُبْحانَهُ عَلى تَزايُدِ غَفْلَتِنا وتَقْصِيرِنا يَزِيدُ في أنْواعِ النِّعَمِ والرَّحْمَةِ والكَرَمِ، فَكُنّا مِن أوَّلِ عُمْرِنا إلى آخِرِهِ لا نَزالُ نَتَزايَدُ في دَرَجاتِ النُّقْصانِ والتَّقْصِيرِ واسْتِحْقاقِ الذَّمِّ، وهو سُبْحانَهُ لا يَزالُ يَزِيدُ في الإحْسانِ واللُّطْفِ والكَرَمِ، واسْتِحْقاقِ الحَمْدِ والثَّناءِ فَإنَّهُ كُلَّما كانَ تَقْصِيرُنا أشَدَّ كانَ إنْعامُهُ عَلَيْنا بَعْدَ ذَلِكَ أعْظَمَ وقْعًا وكُلَّما كانَ إنْعامُهُ عَلَيْنا أكْثَرَ وقْعًا، كانَ تَقْصِيرُنا في شُكْرِهِ أقْبَحَ وأسْوَأ، فَلا تَزالُ أفْعالُنا تَزْدادُ قَبائِحَ ومَحاسِنُ أفْعالِهِ عَلى سَبِيلِ الدَّوامِ بِحَيْثُ لا تُفْضِي إلى الِانْقِطاعِ ثُمَّ إنَّهُ قالَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ وهَذا تَخْوِيفٌ شَدِيدٌ لَكُنّا نَقُولُ: إلَهَنا صَدَرَ مِنكَ ما يَلِيقُ بِكَ مِنَ الكَرَمِ والعَفْوِ والرَّحْمَةِ والإحْسانِ وصَدَرَ مِنّا ما يَلِيقُ بِنا مِنَ الجَهْلِ والغَدْرِ والتَّقْصِيرِ والكَسَلِ فَنَسْألُكَ بِكَ وبِفَضْلِكَ العَمِيمِ أنْ تَتَجاوَزَ عَنّا يا أرْحَمَ الرّاحِمِينَ.