Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:124
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكم يابَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ﴾ [آلِ عِمْرانَ: ١٨٣] ثُمَّ بَيَّنَ كَيْفِيَّةَ عَهْدِهِ مَعَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ﴾ [البَقَرَةِ: ١٢٥] ثُمَّ بَيَّنَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ عَهْدَهُ لا يَصِلُ إلى الظّالِمِينَ فَقالَ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ فَهَذِهِ المُبالَغَةُ الشَّدِيدَةُ في هَذِهِ المُعاهَدَةِ تَقْتَضِي البَحْثَ عَنْ حَقِيقَةِ هَذِهِ المُعاهَدَةِ فَنَقُولُ: العَهْدُ المَأْخُوذُ عَلَيْكَ لَيْسَ إلّا عَهْدَ الخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ، والعَهْدُ الَّذِي التَزَمَهُ اللَّهُ تَعالى مِن جِهَتِهِ لَيْسَ إلّا عَهْدَ الرَّحْمَةِ والرُّبُوبِيَّةِ، ثُمَّ إنَّ العاقِلَ إذا تَأمَّلَ في حالِ هَذِهِ المُعاهَدَةِ لَمْ يَجِدْ مِن نَفْسِهِ إلّا نَقْضَ هَذا العَهْدِ، ومِن رَبِّهِ إلّا الوَفاءَ بِالعَهْدِ، فَلْنَشْرَعْ في مَعاقِدِ هَذا البابِ فَنَقُولُ: أوَّلُ إنْعامِهِ عَلَيْكَ إنْعامُ الخَلْقِ والإيجادِ والإحْياءِ وإعْطاءِ العَقْلِ والآلَةِ، والمَقْصُودُ مِن كُلِّ ذَلِكَ اشْتِغالُكَ بِالطّاعَةِ والخِدْمَةِ والعُبُودِيَّةِ عَلى ما قالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّارِياتِ: ٥٦] ونَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ أنْ يَكُونَ هَذا الخَلْقُ والإيجادُ مِنهُ عَلى سَبِيلِ العَبَثِ فَقالَ: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما لاعِبِينَ﴾ [الأنْبِياءِ: ١٦] وقالَ أيْضًا: ﴿وما خَلَقْنا السَّماءَ والأرْضَ وما بَيْنَهُما باطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧] وقالَ: ﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّما خَلَقْناكم عَبَثًا وأنَّكم إلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ [المُؤْمِنُونَ: ١١٥] ثُمَّ بَيَّنَ عَلى سَبِيلِ التَّفْصِيلِ ما هو الحِكْمَةُ في الخَلْقِ والإيجادِ فَقالَ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] فَهو سُبْحانَهُ وفّى بِعَهْدِ الرُّبُوبِيَّةِ حَيْثُ خَلَقَكَ وأحْياكَ وأنْعَمَ عَلَيْكَ بِوُجُوهِ النِّعَمِ وجَعَلَكَ عاقِلًا مُمَيِّزًا فَإذا لَمْ تَشْتَغِلْ بِخِدْمَتِهِ وطاعَتِهِ وعُبُودِيَّتِهِ فَقَدْ نَقَضْتَ عَهْدَ عُبُودِيَّتِكَ مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى وفّى بِعَهْدِ رُبُوبِيَّتِهِ.