Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:124
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
لازِمَةٌ لِلظّالِمِينَ كَلُزُومِها لِغَيْرِهِمْ ثَبْتَ الوَجْهُ الآخَرُ، وهو أنَّهم غَيْرُ مُؤْتَمَنِينَ عَلى أوامِرِ اللَّهِ تَعالى وغَيْرُ مُقْتَدًى بِهِمْ فِيها فَلا يَكُونُونَ أئِمَّةً في الدِّينِ، فَثَبَتَ بِدَلالَةِ الآيَةِ بُطْلانُ إمامَةِ الفاسِقِ، قالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ”«لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ الخالِقِ» “ ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ الفاسِقَ لا يَكُونُ حاكِمًا، وأنَّ أحْكامَهُ لا تُنَفَّذُ إذا ولِيَ الحُكْمَ، وكَذَلِكَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُ ولا خَبَرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ولا فُتْياهُ إذا أفْتى، ولا يُقَدَّمُ لِلصَّلاةِ وإنْ كانَ هو بِحَيْثُ لَوِ اقْتُدِيَ بِهِ فَإنَّهُ لا تَفْسُدُ صَلاتُهُ، قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ: ومِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّ مَذْهَبَ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُ الفاسِقِ إمامًا وخَلِيفَةً، ولا يَجُوزُ كَوْنُ الفاسِقِ قاضِيًا، قالَ: وهَذا خَطَأٌ، ولَمْ يُفَرِّقْ أبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الخَلِيفَةِ والحاكِمِ في أنَّ شَرْطَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما العَدالَةُ، وكَيْفَ يَكُونُ خَلِيفَةً ورِوايَتُهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وأحْكامُهُ غَيْرُ نافِذَةٍ، وكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ عَلى أبِي حَنِيفَةَ وقَدْ أكْرَهَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ في أيّامِ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى القَضاءِ، وضَرَبَهُ فامْتَنَعَ مِن ذَلِكَ فَحُبِسَ، فَلَحَّ ابْنُ هُبَيْرَةَ وجَعَلَ يَضْرِبُهُ كُلَّ يَوْمٍ أسْواطًا، فَلَمّا خِيفَ عَلَيْهِ، قالَ لَهُ الفُقَهاءُ: تَوَلَّ لَهُ شَيْئًا مِن عَمَلِهِ أيَّ شَيْءٍ كانَ حَتّى يَزُولَ عَنْكَ الضَّرْبُ، فَتَوَلّى لَهُ عَدَّ أحْمالِ التِّبْنِ الَّتِي تَدْخُلُ فَخَلّاهُ، ثُمَّ دَعاهُ المَنصُورُ إلى مِثْلِ ذَلِكَ حَتّى عَدَّ لَهُ اللَّبِنَ الَّذِي كانَ يُضْرَبُ لِسُورِ مَدِينَةِ المَنصُورِ إلى مِثْلِ ذَلِكَ وقِصَّتُهُ في أمْرِ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ مَشْهُورَةٌ، وفي حَمْلِهِ المالَ إلَيْهِ وفُتْياهُ النّاسَ سِرًّا في وُجُوبِ نُصْرَتِهِ والقِتالِ مَعَهُ، وكَذَلِكَ أمْرُهُ مَعَ مُحَمَّدٍ وإبْراهِيمَ ابْنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحَسَنِ، قالَ: وإنَّما غَلِطَ مَن غَلِطَ في هَذِهِ الرِّوايَةِ أنَّ قَوْلَ أبِي حَنِيفَةَ: إنَّ القاضِيَ إذا كانَ عَدْلًا في نَفْسِهِ، وتَوَلّى القَضاءَ مِن إمامٍ جائِرٍ فَإنَّ أحْكامَهُ نافِذَةٌ، والصَّلاةَ خَلْفَهُ جائِزَةٌ، لِأنَّ القاضِيَ إذا كانَ عَدْلًا في نَفْسِهِ ويُمْكِنُهُ تَنْفِيذُ الأحْكامِ كانَتْ أحْكامُهُ نافِذَةً، فَلا اعْتِبارَ في ذَلِكَ بِمَن ولّاهُ، لِأنَّ الَّذِي ولّاهُ بِمَنزِلَةِ سائِرِ أعْوانِهِ، ولَيْسَ شَرْطُ أعْوانِ القاضِي أنْ يَكُونُوا عُدُولًا ألا تَرى أنَّ أهْلَ بَلَدٍ لا سُلْطانَ عَلَيْهِمْ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى الرِّضا بِتَوْلِيَةِ رَجُلٍ عَدْلٍ مِنهُمُ القَضاءَ حَتّى يَكُونُوا أعْوانًا لَهُ عَلى مَنِ امْتَنَعَ مِن قَبُولِ أحْكامِهِ لَكانَ قَضاؤُهُ نافِذًا وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وِلايَةٌ مِن جِهَةِ إمامٍ ولا سُلْطانٍ واللَّهُ أعْلَمُ.