Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:124
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
شِدَّةَ البَلْوى فِيهِ، ثُمَّ إنَّهُ يَتَضَمَّنُ إقامَةَ المَناسِكِ، وقَدِ امْتَحَنَ اللَّهُ الخَلِيلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالشَّيْطانِ في المَوْقِفِ لِرَمْيِ الجِمارِ وغَيْرِهِ، وأمّا اشْتِغالُهُ بِالدُّعاءِ في أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ تَعالى مُحَمَّدًا ﷺ في آخِرِ الزَّمانِ، فَهَذا مِمّا يَحْتاجُ إلَيْهِ إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ تَعالى، وإزالَةُ الحَسَدِ عَنِ القَلْبِ بِالكُلِّيَّةِ، فَثَبَتَ أنَّ الأُمُورَ المَذْكُورَةَ عَقِيبَ هَذِهِ الآيَةِ: تَكالِيفُ شاقَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَأمْكَنَ أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنِ ابْتِلاءِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِالكَلِماتِ هو ذَلِكَ، ثُمَّ الَّذِي يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ ذَلِكَ أنَّهُ عَقَّبَهُ بِذِكْرِهِ مِن غَيْرِ فَصْلٍ بِحَرْفٍ مِن حُرُوفِ العَطْفِ فَلَمْ يَقْبَلْ، وقالَ: إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا، بَلْ قالَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ﴾ فَدَلَّ هَذا عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ لَيْسَ إلّا التَّكْلِيفَ بِهَذِهِ الأُمُورِ المَذْكُورَةِ، واعْتَرَضَ القاضِي عَلى هَذا القَوْلِ فَقالَ: هَذا إنَّما يَجُوزُ لَوْ قالَ اللَّهُ تَعالى: وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّها إبْراهِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا فَأتَمَّهُنَّ، إلّا أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ ذَكَرَ قَوْلَهُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى امْتَحَنَهُ بِالكَلِماتِ وأتَمَّها إبْراهِيمُ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى قالَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَنْهُ بِأنَّهُ لَيْسَ المُرادُ مِنَ الكَلِماتِ الإمامَةَ فَقَطْ، بَلِ الإمامَةَ وبِناءَ البَيْتِ وتَطْهِيرَهُ والدُّعاءَ في بِعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، كَأنَّ اللَّهَ تَعالى ابْتَلاهُ بِمَجْمُوعِ هَذِهِ الأشْياءِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ ابْتَلاهُ بِأُمُورٍ عَلى الإجْمالِ، ثُمَّ أخْبَرَ عَنْهُ أنَّهُ أتَمَّها، ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِالشَّرْحِ والتَّفْصِيلِ، وهَذا مِمّا لا بُعْدَ فِيهِ.