Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:116-117
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الحُجَّةُ السّابِعَةُ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: ٥٩] بَيَّنَ أنَّ قَوْلَهُ ”كُنْ“ مُتَأخِّرٌ عَنْ خَلْقِهِ، إذِ المُتَأخِّرُ عَنِ الشَّيْءِ لا يَكُونُ مُؤَثِّرًا في المُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ، فَعَلِمْنا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِ ”كُنْ“ في وُجُودِ الشَّيْءِ، فَظَهَرَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ فَسادُ هَذا المَذْهَبِ، وإذا ثَبَتَ هَذا فَنَقُولُ: لا بُدَّ مِنَ التَّأْوِيلِ، وهو مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: وهو الأقْوى، أنَّ المُرادَ مِن هَذِهِ الكَلِمَةِ سُرْعَةُ نَفاذِ قُدْرَةِ اللَّهِ في تَكْوِينِ الأشْياءِ، وأنَّهُ تَعالى يَخْلُقُ الأشْياءَ، لا بِفِكْرَةٍ ومُعاناةٍ وتَجْرِبَةٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى عِنْدَ وصْفِ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ: ﴿فَقالَ لَها ولِلْأرْضِ اِئْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] مِن غَيْرِ قَوْلٍ كانَ مِنهُما، لَكِنْ عَلى سَبِيلِ سُرْعَةِ نَفاذِ قَدْرَتِهِ في تَكْوِينِهِما مِن غَيْرِ مُمانَعَةٍ ومُدافَعَةٍ، ونَظِيرُهُ قَوْلُ العَرَبِ: قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ: لِمَ تَشُقُّنِي ؟ قالَ: سَلْ مَن يَدُقُّنِي، فَإنَّ الَّذِي ورائِي ما خَلّانِي ورائِي، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤] .
الثّانِي: أنَّهُ عَلامَةٌ يَفْعَلُها اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ، إذا سَمِعُوها عَلِمُوا أنَّهُ أحْدَثَ أمْرًا، يُحْكى ذَلِكَ عَنْ أبِي الهُذَيْلِ.