Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:116-117
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الأُولى: قالَ بَعْضُ الأُدَباءِ: القَضاءُ مَصْدَرٌ في الأصْلِ سُمِّيَ بِهِ، ولِهَذا جُمِعَ عَلى أقْضِيَةٍ كَغِطاءٍ وأغْطِيَةٍ، وفي مَعْناهُ القَضِيَّةُ، وجَمْعُها القَضايا، ووَزْنُهُ فَعالٌ مِن تَرْكِيبِ ”ق ض ي“ وأصْلُهُ ”قَضايٌ“ إلّا أنَّ الياءَ لَمّا وقَعَتْ طَرَفًا بَعْدَ الألِفِ الزّائِدَةِ اعْتَلَّتْ فَقُلِبَتْ ألْفًا، ثُمَّ لَمّا لاقَتْ هي ألِفَ فَعالٍ، قُلِبَتْ هَمْزَةً لِامْتِناعِ التِقاءِ الألِفَيْنِ لَفْظًا، ومِن نَظائِرِهِ المَضاءُ والأتاءُ، مِن مَضَيْتُ وأتَيْتُ، والسِّقاءُ والشِّفاءُ، مِن سَقَيْتُ وشَفَيْتُ، والدَّلِيلُ عَلى أصالَةِ الياءِ دُونَ الهَمْزَةِ ثَباتُها في أكْثَرِ تَصَرُّفاتِ الكَلِمَةِ، تَقُولُ: قَضَيْتُ وقَضَيْنا وقَضَيْتَ. . . . إلى قَضَيْتُنَّ، وقَضَيا وقَضَيْنَ، وهُما يَقْضِيانِ، وهي وأنْتَ تَقْضِي، والمَرْأتانِ وأنْتُما تَقْضِيانِ، وهُنَّ يَقْضِينَ، وأمّا أنْتِ تَقْضِينَ فالياءُ فِيهِ ضَمِيرُ المُخاطَبَةِ، وأمّا مَعْناهُ فالأصْلُ الَّذِي يَدُلُّ تَرْكِيبُهُ عَلَيْهِ هو مَعْنى القَطْعِ، مِن ذَلِكَ قَوْلُهم: قَضى القاضِي لِفُلانٍ عَلى فُلانٍ بِكَذا قَضاءً إذا حَكَمَ؛ لِأنَّهُ فَصْلٌ لِلدَّعْوى، ولِهَذا قِيلَ: حاكِمٌ فَيْصَلٌ إذا كانَ قاطِعًا لِلْخُصُوماتِ. وحَكى ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّهم قالُوا: القاضِي مَعْناهُ القاطِعُ لِلْأُمُورِ المُحْكِمُ لَها، وقَوْلُهم: انْقَضى الشَّيْءُ إذا تَمَّ وانْقَطَعَ، وقَوْلُهم: قَضى حاجَتَهُ، مَعْناهُ قَطَعَها عَنِ المُحْتاجِ، ودَفَعَها عَنْهُ، وقَضى دَيْنَهُ إذا أدّاهُ إلَيْهِ، كَأنَّهُ قَطَعَ التَّقاضِيَ والِاقْتِضاءَ عَنْ نَفْسِهِ، أوِ انْقَطَعَ كُلٌّ مِنهُما عَنْ صاحِبِهِ، وقَوْلُهم: قَضى الأمْرَ، إذا أتَمَّهُ وأحْكَمَهُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ [فصلت: ١٢] وهو مِن هَذا؛ لِأنَّ في إتْمامِ العَمَلِ قَطْعًا لَهُ وفَراغًا مِنهُ، ومِنهُ: دِرْعٌ قَضّاءُ، مِن قَضاها إذا أحْكَمَها وأتَمَّ صُنْعَها، وأمّا قَوْلُهم: قَضى المَرِيضُ، وقَضى نَحْبَهُ إذا ماتَ، وقَضى عَلَيْهِ: قَتَلَهُ، فَمَجازٌ مِمّا ذُكِرَ، والجامِعُ بَيْنَهُما ظاهِرٌ، وأمّا تَقَضِّي البازِي فَلَيْسَ مِن هَذا التَّرْكِيبِ، ومِمّا يُعَضِّدُ ذَلِكَ دَلالَةُ ما اسْتُعْمِلَ مِن تَقْلِيبِ تَرْتِيبِ هَذا التَّرْكِيبِ عَلَيْهِ، وهو القَيْضُ والضِّيقُ، أمّا الأوَّلُ فَيُقالُ: قاضَهُ فانْقاضَ، أيْ شَقَّهُ فانْشَقَّ، ومِنهُ قَيْضُ البَيْضِ لِما انْفَلَقَ مِن قِشْرِهِ الأعْلى، وانْقاضَّ الحائِطُ إذا انْهَدَمَ مِن غَيْرِ هَدْمٍ، والقَطْعُ والشَّقُّ والفَلْقُ والهَدْمُ مُتَقارِبَةٌ، وأمّا الضِّيقُ وما يُشْتَقُّ مِنهُ فَدَلالَتُهُ عَلى مَعْنى القَطْعِ بَيِّنَةٌ، وذَلِكَ أنَّ الشَّيْءَ إذا قُطِعَ ضاقَ أوْ عَلى العَكْسِ، ومِمّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أنَّ ما يَقْرُبُ مِن هَذا التَّرْكِيبِ يَدُلُّ أيْضًا عَلى مَعْنى القَطْعِ: