Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:116-117
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الطّاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: ٤٣]، وطُولِ القِيامِ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا «سُئِلَ: أيُّ الصَّلاةِ أفْضَلُ ؟ قالَ: ”طُولُ القُنُوتِ» “، وبِمَعْنى السُّكُوتِ، كَما قالَ زَيْدُ بْنُ أرْقَمَ: كُنّا نَتَكَلَّمُ في الصَّلاةِ حَتّى نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فَأمْسَكْنا عَنِ الكَلامِ، ويَكُونُ بِمَعْنى الدَّوامِ، إذا عَرَفْتَ هَذا فَنَقُولُ: قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: كُلُّ ما في السَّماواتِ والأرْضِ قانِتُونَ مُطِيعُونَ، والتَّنْوِينُ في ”كُلٌّ“ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ عَبّاسٍ، فَقِيلَ لِهَؤُلاءِ: الكُفّارُ لَيْسُوا مُطِيعِينَ، فَعِنْدَ هَذا قالَ آخَرُونَ: المَعْنى أنَّهم يُطِيعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ، فَقِيلَ لِهَؤُلاءِ: هَذِهِ صِفَةُ المُكَلَّفِينَ، وقَوْلُهُ: ﴿لَهُ ما في السَّماواتِ﴾ يَتَناوَلُ مَن لا يَكُونُ مُكَلَّفًا، فَعِنْدَ هَذا فَسَّرُوا القُنُوتَ بِوُجُوهٍ أُخَرَ:
الأوَّلُ: بِكَوْنِها شاهِدَةً عَلى وُجُودِ الخالِقِ سُبْحانَهُ بِما فِيها مِن آثارِ الصَّنْعَةِ وأماراتِ الحُدُوثِ والدَّلالَةِ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ.
الثّانِي: كَوْنُ جَمِيعِها في مُلْكِهِ وقَهْرِهِ يَتَصَرَّفُ فِيها كَيْفَ يَشاءُ، وهو قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وعَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ الآيَةُ عامَّةٌ.