Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:115
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الأوَّلُ: أنَّ الآيَةَ تَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوَجْهِ لِلَّهِ تَعالى، والوَجْهُ لا يَحْصُلُ إلّا لِمَن كانَ جِسْمًا.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِكَوْنِهِ واسِعًا، والسَّعَةُ مِن صِفَةِ الأجْسامِ.
والجَوابُ عَنِ الأوَّلِ: أنَّ الوَجْهَ وإنْ كانَ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةً عَنِ العُضْوِ المَخْصُوصِ لَكِنّا بَيَّنّا أنّا لَوْ حَمَلْناهُ هَهُنا عَلى العُضْوِ لَكَذَبَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ لِأنَّ الوَجْهَ لَوْ كانَ مُحاذِيًا لِلْمَشْرِقِ؛ لاسْتَحالَ في ذَلِكَ الزَّمانِ أنْ يَكُونَ مُحاذِيًا لِلْمَغْرِبِ أيْضًا، فَإذَنْ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَّأْوِيلِ وهو مِن وُجُوهٍ:
الأوَّلُ: أنَّ إضافَةَ وجْهِ اللَّهِ كَإضافَةِ بَيْتِ اللَّهِ وناقَةِ اللَّهِ، والمُرادُ مِنها الإضافَةُ بِالخَلْقِ والإيجادِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ، فَقَوْلُهُ: ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ أيْ: فَثَمَّ وجْهُهُ الَّذِي وجَّهَكم إلَيْهِ؛ لِأنَّ المَشْرِقَ والمَغْرِبَ لَهُ بِوَجْهَيْهِما، والمَقْصُودُ مِنَ القِبْلَةِ إنَّما يَكُونُ قِبْلَةً لِنَصْبِهِ تَعالى إيّاها، فَأيُّ وجْهٍ مِن وُجُوهِ العالَمِ المُضافِ إلَيْهِ بِالخَلْقِ والإيجادِ نَصَبَهُ وعَيَّنَهُ فَهو قِبْلَةٌ.
الثّانِي: أنْ يَكُونَ المُرادُ مِنَ الوَجْهِ القَصْدَ والنِّيَّةَ، قالَ الشّاعِرُ:
صفحة ٢١
أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ أُحْصِيهِ رَبَّ العِبادِ إلَيْهِ الوَجْهُ والعَمَلُ
ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ والأرْضَ﴾ [الأنعام: ٧٩] .