Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:115
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: قَوْلُ أبِي مُسْلِمٍ، وهو أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى كُلُّ واحِدٍ مِنهم قالَ: إنَّ الجَنَّةَ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآيَةِ؛ لِأنَّ اليَهُودَ إنَّما اسْتَقْبَلُوا بَيْتَ المَقْدِسِ؛ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى صَعِدَ السَّماءَ مِنَ الصَّخْرَةِ، والنَّصارى اسْتَقْبَلُوا المَشْرِقَ؛ لِأنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ إنَّما وُلِدَ هُناكَ عَلى ما حَكى اللَّهُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واذْكُرْ في الكِتابِ مَرْيَمَ إذِ انْتَبَذَتْ مِن أهْلِها مَكانًا شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] فَكُلُّ واحِدٍ مِن هَذَيْنِ الفَرِيقَيْنِ وصَفَ مَعْبُودَهُ بِالحُلُولِ في الأماكِنِ، ومَن كانَ هَكَذا فَهو مَخْلُوقٌ لا خالِقٌ، فَكَيْفَ تَخْلُصُ لَهُمُ الجَنَّةُ، وهم لا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ المَخْلُوقِ والخالِقِ.
ورابِعُها: قالَ بَعْضُهم: إنَّ اللَّهَ تَعالى نَسَخَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِالتَّخْيِيرِ إلى أيِّ جِهَةٍ شاءَ بِهَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ لِلْمُسْلِمِينَ أنْ يَتَوَجَّهُوا إلى حَيْثُ شاءُوا في الصَّلاةِ، إلّا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَخْتارُ التَّوَجُّهَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، مَعَ أنَّهُ كانَ لَهُ أنْ يَتَوَجَّهَ حَيْثُ شاءَ، ثُمَّ أنَّهُ تَعالى نَسَخَ ذَلِكَ بِتَعْيِينِ الكَعْبَةِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ وابْنِ زَيْدٍ.
وخامِسُها: أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ مَن هو مُشاهِدٌ لِلْكَعْبَةِ، فَإنَّ لَهُ أنْ يَسْتَقْبِلَها مِن أيِّ جِهَةٍ شاءَ وأرادَ.