Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:114
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
والثّانِي: حُضُورُها ولُزُومُها، كَما تَقُولُ: فُلانٌ يَعْمُرُ مَسْجِدَ فُلانٍ، أيْ: يَحْضُرُهُ ويَلْزَمُهُ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”«إذا رَأيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتادُ المَساجِدَ فاشْهَدُوا لَهُ بِالإيمانِ» “، وذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨]، فَجَعَلَ حُضُورَ المَساجِدِ عِمارَةً لَها.
ورابِعُها: أنَّ الحَرَمَ واجِبُ التَّعْظِيمِ؛ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في الدُّعاءِ: ”«اللَّهُمَّ زِدْ هَذا البَيْتَ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا» ومَهابَةً“ فَصَوْنُهُ عَمّا يُوجِبُ تَحْقِيرَهُ واجِبٌ، وتَمْكِينُ الكُفّارِ مِنَ الدُّخُولِ فِيهِ تَعْرِيضٌ لِلْبَيْتِ لِلتَّحْقِيرِ؛ لِأنَّهم لِفَسادِ اعْتِقادِهِمْ فِيهِ رُبَّما اسْتَخَفُّوا بِهِ وأقْدَمُوا عَلى تَلْوِيثِهِ وتَنْجِيسِهِ.
وخامِسُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ بِتَطْهِيرِ البَيْتِ في قَوْلِهِ: ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، والمُشْرِكُ نَجَسٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] والتَّطْهِيرُ عَلى النَّجَسِ واجِبٌ، فَيَكُونُ تَبْعِيدُ الكُفّارِ عَنْهُ واجِبًا.
وسادِسُها: أجْمَعْنا عَلى أنَّ الجُنُبَ يُمْنَعُ مِنهُ، فالكافِرُ بِأنْ يُمْنَعَ مِنهُ أوْلى إلّا أنَّ هَذا مُقْتَضى مَذْهَبِ مالِكٍ، وهو أنْ يُمْنَعَ عَنْ كُلِّ المَساجِدِ، واحْتَجَّ أبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ بِأُمُورٍ:
الأوَّلُ: «رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَدِمَ عَلَيْهِ وفْدُ يَثْرِبَ فَأنْزَلَهُمُ المَسْجِدَ» .