Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:114
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أوَّلُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] قالَ الشّافِعِيُّ: قَدْ يَكُونُ المُرادُ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ الحَرَمَ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [الإسراء: ١] وإنَّما أُسْرِيَ بِهِ مِن بَيْتِ خَدِيجَةَ. فالآيَةُ دالَّةٌ إمّا عَلى المَسْجِدِ فَقَطْ، أوْ عَلى الحَرَمِ كُلِّهِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فالمَقْصُودُ حاصِلٌ؛ لِأنَّ الخِلافَ حاصِلٌ فِيهِما جَمِيعًا، فَإنْ قِيلَ: المُرادُ بِهِ الحَجُّ، ولِهَذا قالَ: ﴿بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ لِأنَّ الحَجَّ إنَّما يُفْعَلُ في السَّنَةِ مَرَّةً واحِدَةً، قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ تَرْكٌ لِلظّاهِرِ مِن غَيْرِ مُوجِبٍ.
الثّانِي: ثَبَتَ في أُصُولِ الفِقْهِ أنَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ عَلى الوَصْفِ مُشْعِرٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ الوَصْفِ عِلَّةً لِذَلِكَ الحُكْمِ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّ المانِعَ مِن قُرْبِهِمْ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ نَجاسَتُهم، وذَلِكَ يَقْتَضِي أنَّهم ما دامُوا مُشْرِكِينَ كانُوا مَمْنُوعِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ.
الثّالِثُ: أنَّهُ تَعالى لَوْ أرادَ الحَجَّ لَذَكَرَ مِنَ البِقاعِ ما يَقَعُ فِيهِ مُعْظَمُ أرْكانِ الحَجِّ، وهو عَرَفَةُ.
الرّابِعُ: الدَّلِيلُ عَلى أنَّ المُرادَ دُخُولُ الحَرَمِ لا الحَجُّ فَقَطْ - قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] فَأرادَ بِهِ الدُّخُولَ لِلتِّجارَةِ.