Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:114
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ فَقَدِ اخْتَلَفُوا في الخِزْيِ، فَقالَ بَعْضُهم: ما يَلْحَقُهم مِنَ الذُّلِّ بِمَنعِهِمْ مِنَ المَساجِدِ، وقالَ آخَرُونَ: بِالجِزْيَةِ في حَقِّ أهْلِ الذِّمَّةِ، وبِالقَتْلِ في حَقِّ أهْلِ الحَرْبِ، واعْلَمْ أنَّ كُلَّ ذَلِكَ مُحْتَمَلٌ، فَإنَّ الخِزْيَ لا يَكُونُ إلّا ما يَجْرِي مَجْرى العُقُوبَةِ مِنَ الهَوانِ والإذْلالِ، فَكُلُّ ما هَذِهِ صِفَتُهُ يَدْخُلُ تَحْتَهُ، وذَلِكَ رَدْعٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى عَنْ ثَباتِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ لِأنَّ الخِزْيَ الحاضِرَ يَصْرِفُ عَنِ التَّمَسُّكِ بِما يُوجِبُهُ ويَقْتَضِيهِ، وأمّا العَذابُ العَظِيمُ فَقَدْ وصَفَهُ اللَّهُ تَعالى بِما جَرى مَجْرى النِّهايَةِ في المُبالَغَةِ؛ لِأنَّ الَّذِينَ قَدَّمَ ذِكْرَهم وصَفَهم بِأعْظَمِ الظُّلْمِ، فَبَيَّنَ أنَّهم يَسْتَحِقُّونَ العِقابَ العَظِيمَ، وفي الآيَةِ مَسْألَتانِ:
المَسْألَةُ الأُولى: في أحْكامِ المَساجِدِ، وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: في بَيانِ فَضْلِ المَساجِدِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ القُرْآنُ والأخْبارُ والمَعْقُولُ، أمّا القُرْآنُ فَآياتٌ:
أحَدُها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنَّ المَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ [الجن: ١٨] . أضافَ المَساجِدَ إلى ذاتِهِ بِلامِ الِاخْتِصاصِ، ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ الِاخْتِصاصَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أحَدًا﴾ .
وثانِيها: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَعْمُرُ﴾
صفحة ١٢