Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:114
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ في أحْكامِ القُرْآنِ: هَذانِ الوَجْهانِ غَلَطانِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ بِالسِّيَرِ أنَّ عَهْدَ بُخْتُنَصَّرَ كانَ قَبْلَ مَوْلِدِ المَسِيحِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِدَهْرٍ طَوِيلٍ، والنَّصارى كانُوا بَعْدَ المَسِيحِ؛ فَكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَ بُخْتُنَصَّرَ في تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأيْضًا فَإنَّ النَّصارى يَعْتَقِدُونَ في تَعْظِيمِ بَيْتِ المَقْدِسِ مِثْلَ اعْتِقادِ اليَهُودِ وأكْثَرَ، فَكَيْفَ أعانُوا عَلى تَخْرِيبِهِ.
وثالِثُها: أنَّها نَزَلَتْ في مُشْرِكِي العَرَبِ الَّذِينَ مَنَعُوا الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عَنِ الدُّعاءِ إلى اللَّهِ بِمَكَّةَ وألْجَئُوهُ إلى الهِجْرَةِ، فَصارُوا مانِعِينَ لَهُ ولِأصْحابِهِ أنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ في المَسْجِدِ الحَرامِ، وقَدْ كانَ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَنى مَسْجِدًا عِنْدَ دارِهِ، فَمُنِعَ، وكانَ مِمَّنْ يُؤْذِيهِ وِلْدانُ قُرَيْشٍ ونِساؤُهم، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ولا تُخافِتْ بِها﴾ [الإسراء: ١١٠] نَزَلَتْ في ذَلِكَ، فَمُنِعَ مِنَ الجَهْرِ لِئَلّا يُؤْذى، وطَرَحَ أبُو جَهْلٍ العَذِرَةَ عَلى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ فَقِيلَ: ومَن أظْلَمُ مِن هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَمْنَعُونَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ولا يُشْرِكُونَ بِهِ شَيْئًا، ويُصَلُّونَ لَهُ تَذَلُّلًا وخُشُوعًا، ويَشْغَلُونَ قُلُوبَهم بِالفِكْرِ فِيهِ، وألْسِنَتَهم بِالذِّكْرِ لَهُ، وجَمِيعَ جَسَدِهِمْ بِالتَّذَلُّلِ لِعَظَمَتِهِ وسُلْطانِهِ.