Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:111-112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
المَسْألَةُ الخامِسَةُ: اعْلَمْ أنَّ الجاهِلَ إذا سَمِعَ الوُجُوهَ العَقْلِيَّةَ والنَّقْلِيَّةَ في أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ النِّيَّةِ، فَيَقُولُ في نَفْسِهِ عِنْدَ تَدْرِيسِهِ وتِجارَتِهِ: نَوَيْتُ أنْ أُدَرِّسَ لِلَّهِ، وأتَّجِرَ لِلَّهِ، يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ نِيَّةٌ، وهَيْهاتَ، فَذاكَ حَدِيثُ نَفْسٍ، أوْ حَدِيثُ لِسانٍ، والنِّيَّةُ بِمَعْزِلٍ عَنْ جَمِيعِ ذَلِكَ، إنَّما النِّيَّةُ انْبِعاثُ النَّفْسِ، ومَيْلُها إلى ما ظَهَرَ لَها أنَّ فِيهِ غَرَضَها إمّا عاجِلًا وإمّا آجِلًا. والمَيْلُ إذا لَمْ يَحْصُلُ لَمْ يَقْدِرِ الإنْسانُ عَلى اكْتِسابِهِ، وهو كَقَوْلِ الشَّبْعانِ: نَوَيْتُ أنْ أشْتَهِيَ الطَّعامَ، أوْ كَقَوْلِ الفارِغِ: نَوَيْتُ أنْ أعْشَقَ، بَلْ لا طَرِيقَ إلى اكْتِسابِ المَيْلِ إلى الشَّيْءِ إلّا بِاكْتِسابِ أسْبابِهِ، ولَيْسَتْ هي إلّا تَحْصِيلَ العِلْمِ بِما فِيهِ مِنَ المَنافِعِ، ثُمَّ هَذا العِلْمُ لا يُوجِبُ هَذا المَيْلَ إلّا عِنْدَ خُلُوِّ القَلْبِ عَنْ سائِرِ الشَّواغِلِ، فَإذا غَلَبَتْ شَهْوَةُ النِّكاحِ، ولَمْ يَعْتَقِدْ في الوَلَدِ غَرَضًا صَحِيحًا لا عاجِلًا ولا آجِلًا، لا يُمْكِنُهُ أنْ يُواقِعَ عَلى نِيَّةِ الوَلَدِ، بَلْ لا يُمْكِنُ إلّا عَلى نِيَّةِ قَضاءِ الشَّهْوَةِ، إذِ النِّيَّةُ هي إجابَةُ الباعِثِ، ولا باعِثَ إلّا الشَّهْوَةُ، فَكَيْفَ يَنْوِي الوَلَدَ ؟ فَثَبَتَ أنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ عِبارَةً عَنِ القَوْلِ بِاللِّسانِ أوْ بِالقَلْبِ، بَلْ هي عِبارَةٌ عَنْ حُصُولِ هَذا المَيْلِ، وذَلِكَ أمْرٌ مُعَلَّقٌ بِالغَيْبِ، فَقَدْ يَتَيَسَّرُ في بَعْضِ الأوْقاتِ، وقَدْ يَتَعَذَّرُ في بَعْضِها.