Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:111-112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ فَفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: ”هاتِ“ صَوْتٌ بِمَنزِلَةِ هاءِ في مَعْنى أحْضِرْ.
المَسْألَةُ الثّانِيَةُ: دَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ المُدَّعِيَ سَواءٌ ادَّعى نَفْيًا أوْ إثْباتًا، فَلا بُدَّ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ والبُرْهانِ، وذَلِكَ مِن أصْدَقِ الدَّلائِلِ عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِالتَّقْلِيدِ، قالَ الشّاعِرُ:
مَنِ ادَّعى شَيْئًا بِلا شاهِدٍ لا بُدَّ أنْ تَبْطُلَ دَعْواهُ
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى﴾ فَفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ إثْباتٌ لِما نَفَوْهُ مِن دُخُولِ غَيْرِهِمُ الجَنَّةَ.
الثّانِي: أنَّهُ تَعالى لَمّا نَفى أنْ يَكُونَ لَهم بُرْهانٌ أثْبَتَ أنَّ لِمَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ بُرْهانًا.
الثّالِثُ: كَأنَّهُ قِيلَ لَهم: أنْتُمْ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ لا تَفُوزُونَ بِالجَنَّةِ، بَلى، إنْ غَيَّرْتُمْ طَرِيقَتَكم وأسْلَمْتُمْ وجْهَكم لِلَّهِ وأحْسَنْتُمْ فَلَكُمُ الجَنَّةُ، فَيَكُونُ ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهم في الإسْلامِ، وبَيانًا لِمُفارَقَةِ حالِهِمْ لِحالِ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ، لِكَيْ يُقْلِعُوا عَمّا هم عَلَيْهِ، ويَعْدِلُوا إلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، فَأمّا مَعْنى: ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ فَهو إسْلامُ النَّفْسِ لِطاعَةِ اللَّهِ، وإنَّما خَصَّ الوَجْهَ بِالذِّكْرِ لِوُجُوهٍ:
أحَدُها: لِأنَّهُ أشْرَفُ الأعْضاءِ مِن حَيْثُ إنَّهُ مَعْدِنُ الحَواسِّ والفِكْرِ والتَّخَيُّلِ، فَإذا تَواضَعَ الأشْرَفُ كانَ غَيْرُهُ أوْلى.