Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:111-112
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى أمَرَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ عَنِ اليَهُودِ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ﴾ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ كَما ألْزَمَهم لِحَظِّ الغَيْرِ وصَلاحِهِ العَفْوَ والصَّفْحَ، فَكَذَلِكَ ألْزَمَهم لِحَظِّ أنْفُسِهِمْ وصَلاحِها القِيامَ بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ الواجِبَتَيْنِ، ونَبَّهَ بِهِما عَلى ما عَداهُما مِنَ الواجِباتِ. ثُمَّ قالَ بَعْدَهُ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ بِهِ التَّطَوُّعاتُ مِنَ الصَّلَواتِ والزَّكَواتِ، وبَيَّنَ تَعالى أنَّهم يَجِدُونَهُ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم يَجِدُونَ عَيْنَ تِلْكَ الأعْمالِ؛ لِأنَّها لا تَبْقى، ولِأنَّ وِجْدانَ عَيْنِ تِلْكَ الأشْياءِ لا يُرْغَبُ فِيهِ، فَبَقِيَ أنَّ المُرادَ وِجْدانُ ثَوابِهِ وجَزائِهِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، أيْ: أنَّهُ لا يَخْفى عَلَيْهِ القَلِيلُ ولا الكَثِيرُ مِنَ الأعْمالِ، وهو تَرْغِيبٌ مِن حَيْثُ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يُجازِي عَلى القَلِيلِ كَما يُجازِي عَلى الكَثِيرِ، وتَحْذِيرٌ مِن خِلافِهِ الَّذِي هو الشَّرُّ، وأمّا الخَيْرُ فَهو النَّفْعُ الحَسَنُ، وما يُؤَدِّي إلَيْهِ، فَلَمّا كانَ ما يَأْتِيهِ المَرْءُ مِنَ الطّاعَةِ يُؤَدِّي بِهِ إلى المَنافِعِ العَظِيمَةِ، وجَبَ أنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ، وعَلى هَذا الوَجْهِ قالَ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧] .