Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:109-110
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ الغَمَّ إذا اسْتَوْلى عَلَيْكَ أمْرَضَ بَدَنَكَ وأزالَ الصِّحَّةَ عَنْكَ، وأوْقَعَكَ في الوَساوِسِ ونَغَّصَ عَلَيْكَ لَذَّةَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ. وأمّا أنَّهُ لا ضَرَرَ عَلى المَحْسُودِ في دِينِهِ ودُنْياهُ فَواضِحٌ؛ لِأنَّ النِّعْمَةَ لا تَزُولُ عَنْهُ بِحَسَدِكَ، بَلْ ما قَدَّرَهُ اللَّهُ مِن إقْبالٍ ونِعْمَةٍ فَلا بُدَّ وأنْ يَدُومَ إلى أجَلٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ، ولِكُلِّ أجَلٍ كِتابٌ، ومَهْما لَمْ تَزُلِ النِّعْمَةُ بِالحَسَدِ لَمْ يَكُنْ عَلى المَحْسُودِ ضَرَرٌ في الدُّنْيا، ولا عَلَيْهِ إثْمٌ في الآخِرَةِ، ولَعَلَّكَ تَقُولُ: لَيْتَ النِّعْمَةَ كانَتْ لِي، وتَزُولُ عَنِ المَحْسُودِ بِحَسَدِي، وهَذا غايَةُ الجَهْلِ، فَإنَّهُ بَلاءٌ تَشْتَهِيهِ أوَّلًا لِنَفْسِكَ، فَإنَّكَ أيْضًا لا تَخْلُو عَنْ عَدُوٍّ يَحْسُدُكَ، فَلَوْ زالَتِ النِّعْمَةُ بِالحَسَدِ لَمْ يَبْقَ لِلَّهِ عَلَيْكَ نِعْمَةٌ، لا في الدِّينِ ولا في الدُّنْيا، وإنِ اشْتَهَيْتَ أنْ تَزُولَ النِّعْمَةُ عَنِ الخَلْقِ بِحَسَدِكَ، ولا تَزُولَ عَنْكَ بِحَسَدِ غَيْرِكَ، فَهَذا أيْضًا جَهْلٌ، فَإنَّ كُلَّ واحِدٍ مِن حَمْقى الحُسّادِ يَشْتَهِي أنْ يَخْتَصَّ بِهَذِهِ الخاصِّيَّةِ، ولَسْتَ أوْلى بِذَلِكَ مِنَ الغَيْرِ، فَنِعْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ في أنْ لَمْ يُزِلِ النِّعْمَةَ بِالحَسَدِ مِمّا يَجِبُ شُكْرُها عَلَيْكَ، وأنْتَ بِجَهْلِكَ تَكْرَهُها.