Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:105-106
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
صفحة ٢٠٧
أحَدُها: أنَّ التَّنْصِيصَ عَلى اللَّفْظِ الدّالِّ عَلى الدَّوامِ مَعَ التَّنْصِيصِ عَلى أنَّهُ لا يَدُومُ جَمْعٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَناقِضَيْنِ، وإنَّهُ سَفَهٌ وعَبَثٌ.
وثانِيها: عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ شَرْعَهُما سَيَصِيرُ مَنسُوخًا، فَإذا نَقَلَ شَرْعَهُ وجَبَ أنْ يَنْقُلَ هَذِهِ الكَيْفِيَّةَ أيْضًا، لِأنَّهُ لَوْ جازَ أنْ يَنْقُلَ أصْلَ الشَّرْعِ بِدُونِ هَذِهِ الكَيْفِيَّةِ لَجازَ مِثْلُهُ في شَرْعِنا أيْضًا، وحِينَئِذٍ لا يَكُونُ لَنا طَرِيقٌ إلى القَطْعِ بِأنَّ شَرْعَنا غَيْرُ مَنسُوخٍ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الوَقائِعِ العَظِيمَةِ الَّتِي تَتَوَفَّرُ فِيها الدَّواعِي عَلى نَقْلِهِ، وما كانَ كَذَلِكَ وجَبَ اشْتِهارُهُ وبُلُوغُهُ إلى حَدِّ التَّواتُرِ، وإلّا فَلَعَلَّ القُرْآنَ عُورِضَ، ولَمْ تُنْقَلْ مُعارَضَتُهُ، ولَعَلَّ مُحَمَّدًا ﷺ غَيَّرَ هَذا الشَّرْعَ عَنْ هَذا الوَضْعِ ولَمْ يُنْقَلْ، وإذا ثَبَتَ وُجُوبُ أنْ تُنْقَلَ هَذِهِ الكَيْفِيَّةُ عَلى سَبِيلِ التَّواتُرِ، فَنَقُولُ: لَوْ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَصَّ في زَمانِ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى أنَّ شَرْعَيْهِما سَيَصِيرانِ مَنسُوخَيْنِ لَكانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا لِأهْلِ التَّواتُرِ، ومَعْلُومًا لَهم بِالضَّرُورَةِ، ولَوْ كانَ كَذَلِكَ لاسْتَحالَ مُنازَعَةُ الجَمْعِ العَظِيمِ فِيهِ، فَحَيْثُ رَأيْنا اليَهُودَ والنَّصارى مُطْبِقِينَ عَلى إنْكارِ ذَلِكَ عَلِمْنا أنَّهُ لَمْ يُوجَدِ التَّنْصِيصُ عَلى أنَّ شَرْعَيْهِما يَصِيرانِ مَنسُوخَيْنِ.