Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:105-106
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
قالَ مُنْكِرُو النَّسْخِ: لا نُسَلِّمُ أنَّ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - لا تَصِحُّ إلّا مَعَ القَوْلِ بِالنَّسْخِ؛ لِأنَّ مِنَ الجائِزِ أنْ يُقالَ: إنَّ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - أُمِرَ النّاسُ بِشَرْعِهِما إلى زَمانِ ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ أُمِرَ النّاسُ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - فَعِنْدَ ظُهُورِ شَرْعِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - زالَ التَّكْلِيفُ بِشَرْعِهِما، وحَصَلَ التَّكْلِيفُ بِشَرْعِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنَّهُ لا يَكُونُ ذَلِكَ نَسْخًا، بَلْ جارِيًا مَجْرى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، والمُسْلِمُونَ الَّذِينَ أنْكَرُوا وُقُوعَ النَّسْخِ أصْلًا بَنَوْا مَذْهَبَهم عَلى هَذا الحَرْفِ، وقالُوا: قَدْ ثَبَتَ في القُرْآنِ أنَّ مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما السَّلامُ - قَدْ بَشَّرا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ بِمَبْعَثِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وأنَّ عِنْدَ ظُهُورِهِ يَجِبُ الرُّجُوعُ إلى شَرْعِهِ، وإذا كانَ الأمْرُ كَذَلِكَ، فَمَعَ قِيامِ هَذا الِاحْتِمالِ امْتَنَعَ الجَزْمُ بِوُقُوعِ النَّسْخِ، وهَذا هو الِاعْتِراضُ عَلى الإلْزامَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، واحْتَجَّ مُنْكِرُو النَّسْخِ بِأنْ قالُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا بَيَّنَ شَرْعَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ، فاللَّفْظُ الدّالُّ عَلى تِلْكَ الشَّرِيعَةِ إمّا أنْ يُقالَ: إنَّها دالَّةٌ عَلى دَوامِها أوْ لا عَلى دَوامِها، أوْ ما كانَ فِيها دَلالَةٌ عَلى الدَّوامِ ولا عَلى اللّادَوامِ، فَإنْ بَيَّنَ فِيها ثُبُوتَها عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّها ما دامَتْ كانَ الخَبَرُ الأوَّلُ كَذِبًا، وإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عَلى الشَّرْعِ، وأيْضًا فَلَوْ جَوَّزْنا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَنا طَرِيقٌ إلى العِلْمِ بِأنَّ شَرْعَنا لا يَصِيرُ مَنسُوخًا؛ لِأنَّ أقْصى ما في البابِ أنْ يَقُولَ الشَّرْعُ: هَذِهِ الشَّرِيعَةُ دائِمَةٌ ولا تَصِيرُ مَنسُوخَةً قَطُّ ألْبَتَّةَ، ولَكِنّا إذا رَأيْنا مِثْلَ هَذا الكَلامِ حاصِلًا في شَرْعِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ مَعَ أنَّهُما لَمْ يَدُوما، زالَ الوُثُوقُ عَنْهُ في كُلِّ الصُّوَرِ. فَإنْ قِيلَ: لِمَ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: ذَكَرَ اللَّفْظَ الدّالَّ عَلى الدَّوامِ، ثُمَّ قَرَنَ بِهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ سَيَنْسَخُهُ أوْ ما قَرَنَ بِهِ إلّا أنَّهُ نَصَّ عَلى ذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنا في الجُمْلَةِ ؟ قُلْنا: هَذا ضَعِيفٌ لِوُجُوهٍ: