Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:104
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
ورابِعُها: أنَّ قَوْلَهُ: ”راعِنا“ مُفاعَلَةٌ مِنَ الرَّعْيِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَكانَ هَذا اللَّفْظُ مُوهِمًا لِلْمُساواةِ بَيْنَ المُخاطَبِينَ، كَأنَّهم قالُوا: أرْعِنا سَمْعَكَ لِنُرْعِيَكَ أسْماعَنا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وبَيَّنَ أنْ لا بُدَّ مِن تَعْظِيمِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ السَّلامُ في المُخاطَبَةِ عَلى ما قالَ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] .
وخامِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ”راعِنا“ خِطابٌ مَعَ الِاسْتِعْلاءِ، كَأنَّهُ يَقُولُ: راعِ كَلامِي ولا تَغْفُلْ عَنْهُ، ولا تَشْتَغِلْ بِغَيْرِهِ، ولَيْسَ في ”انْظُرْنا“ إلّا سُؤالُ الِانْتِظارِ، كَأنَّهم قالُوا لَهُ تَوَقَّفْ في كَلامِكَ وبَيانِكَ مِقْدارَ ما نَصِلُ إلى فَهْمِهِ.
وسادِسُها: أنَّ قَوْلَهُ: ”راعِنا“ عَلى وزْنِ عاطِنا مِنَ المُعاطاةِ، ورامِنا مِنَ المُراماةِ، ثُمَّ إنَّهم قَلَبُوا هَذِهِ النُّونَ إلى النُّونِ الأصْلِيَّةِ، وجَعَلُوها كَلِمَةً مُشْتَقَّةً مِنَ الرُّعُونَةِ وهي الحُمْقُ، فالرّاعِنُ اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الرُّعُونَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا بِهِ المَصْدَرَ. كَقَوْلِهِمْ: عِياذًا بِكَ، أيْ أعُوذُ عِياذًا بِكَ، فَقَوْلُهم: راعِنًا: أيْ فَعَلْتَ رُعُونَةً. ويُحْتَمَلُ أنَّهم أرادُوا بِهِ: صِرْتَ راعِنًا، أيْ صِرْتَ ذا رُعُونَةٍ، فَلَمّا قَصَدُوا هَذِهِ الوُجُوهَ الفاسِدَةَ لا جَرَمَ نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ.