Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:102
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
وثالِثُها: لا يَمْتَنِعُ أنْ يُقالَ: السِّحْرُ الَّذِي يُوقِعُ الفُرْقَةَ بَيْنَ أعْداءِ اللَّهِ والأُلْفَةَ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ كانَ مُباحًا عِنْدَهم أوْ مَندُوبًا، فاللَّهُ تَعالى بَعَثَ المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ لِهَذا الغَرَضِ، ثُمَّ إنَّ القَوْمَ تَعَلَّمُوا ذَلِكَ مِنهُما، واسْتَعْمَلُوهُ في الشَّرِّ وإيقاعِ الفُرْقَةِ بَيْنَ أوْلِياءِ اللَّهِ والأُلْفَةِ بَيْنَ أعْداءِ اللَّهِ.
ورابِعُها: أنَّ تَحْصِيلَ العِلْمِ بِكُلِّ شَيْءٍ حَسَنٌ، ولَمّا كانَ السِّحْرُ مَنهِيًّا عَنْهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ مُتَصَوَّرًا مَعْلُومًا؛ لِأنَّ الَّذِي لا يَكُونُ مُتَصَوَّرًا امْتَنَعَ النَّهْيُ عَنْهُ.
وخامِسُها: لَعَلَّ الجِنَّ كانَ عِنْدَهم أنْواعٌ مِنَ السِّحْرِ لَمْ يَقْدِرِ البَشَرُ عَلى الإتْيانِ بِمِثْلِها، فَبَعَثَ اللَّهُ المَلائِكَةَ لِيُعَلِّمُوا البَشَرَ أُمُورًا يَقْدِرُونَ بِها عَلى مُعارَضَةِ الجِنِّ.
وسادِسُها: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَشْدِيدًا في التَّكْلِيفِ مِن حَيْثُ إنَّهُ إذا عَلَّمَهُ ما أمْكَنَهُ أنْ يَتَوَصَّلَ بِهِ إلى اللَّذّاتِ العاجِلَةِ ثُمَّ مَنَعَهُ مِنِ اسْتِعْمالِها كانَ ذَلِكَ في نِهايَةِ المَشَقَّةِ؛ فَيَسْتَوْجِبُ بِهِ الثَّوابَ الزّائِدَ، كَما ابْتُلِيَ قَوْمُ طالُوتَ بِالنَّهَرِ عَلى ما قالَ: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنهُ فَلَيْسَ مِنِّي ومَن لَمْ يَطْعَمْهُ فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] فَثَبَتَ بِهَذِهِ الوُجُوهِ أنَّهُ لا يَبْعُدُ مِنَ اللَّهِ تَعالى إنْزالُ المَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ، واللَّهُ أعْلَمُ.