Tafsir
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) — 2:102
Mafatih al-Ghayb (al-Tafsir al-Kabir, Tafsir al-Razi) · Fakhr al-Din al-Razi
الوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ ”ما“ بِمَعْنى الجَحْدِ ويَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ كَأنَّهُ قالَ: لَمْ يَكْفُرْ سُلَيْمانُ، ولَمْ يَنْزِلْ عَلى المَلَكَيْنِ سِحْرٌ؛ لِأنَّ السَّحَرَةَ كانَتْ تُضِيفُ السِّحْرَ إلى سُلَيْمانَ، وتَزْعُمُ أنَّهُ مِمّا أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في القَوْلَيْنِ، وقَوْلُهُ: ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ﴾ جَحْدٌ أيْضًا، أيْ: لا يُعَلِّمانِ أحَدًا، بَلْ يَنْهَيانِ عَنْهُ أشَدَّ النَّهْيِ.
* * *
أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ أيِ: ابْتِلاءٌ وامْتِحانٌ ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾، وهو كَقَوْلِكَ: ما أمَرْتُ فُلانًا بِكَذا حَتّى قُلْتُ لَهُ: إنْ فَعَلْتَ كَذا نالَكَ كَذا، أيْ: ما أمَرْتُ بِهِ بَلْ حَذَّرْتُهُ عَنْهُ.
واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ وإنْ كانَتْ حَسَنَةً إلّا أنَّ القَوْلَ الأوَّلَ أحْسَنُ مِنها، وذَلِكَ لِأنَّ عَطْفَ قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ﴾ عَلى ما يَلِيهِ أوْلى مِن عَطْفِهِ عَلى ما بَعُدَ عَنْهُ إلّا لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، أمّا قَوْلُهُ: لَوْ نَزَلَ السِّحْرُ عَلَيْهِما لَكانَ مُنْزِلُ ذَلِكَ السِّحْرِ هو اللَّهَ تَعالى. قُلْنا: تَعْرِيفُ صِفَةِ الشَّيْءِ قَدْ يَكُونُ لِأجْلِ التَّرْغِيبِ في إدْخالِهِ في الوُجُودِ، وقَدْ يَكُونُ لِأجْلِ أنْ يَقَعَ الِاحْتِرازُ عَنْهُ كَما قالَ الشّاعِرُ:
عَرَفْتُ الشَّرَّ لا لِلشَّرِّ لَكِنْ لِتَوَقِّيهِ